آفاق جديدة في دراسة علوم القرآن الكريم


الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله ، أما بعد :

فقد سألني صديقي الذي أنجز رسالته للماجستير في علوم القرآن الكريم : بِمَ تنصحني وأنا مقبل على مسيرتي العلمية بعد حصولي على الماجستير ، وما الموضوعات التي تعتقد أن مجال البحث لا يزال واسعاً فيها ، فقلتُ : إن جميع موضوعات علوم القرآن يمكن البحث فيها ، فأي علم من العلوم لا يمكن أن تقفل أبوابه أمام الباحثين في عصر من العصور أو جيل من الأجيال ، وعلوم القرآن ترتبط بالقرآن الكريم الذي لا يخلق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يزال الدارسون يجتهدون في تجديد دراسة علوم القرآن لتقريبها من قراء زمانهم ، فاختر لنفسك ما تميل إليه من مباحث علوم القرآن ، وما تجد القدرة على الخوض فيه !

فقال : أريد أن تخبرني عن موضوعات يمكن أن أواصل البحث فيها من خلال تجربتك في البحث والتأليف ، فحدثته عن ثلاثة موضوعات تَبَيَّنَ لي أنَّ أرضها لا تزال بكراً ، وأن عطاءها سيكون واعداً ، وهي : البحث في علم رسم المصحف من خلال علم الخطوط القديمة ، والبحث في علم التجويد من خلال علم الأصوات اللغوية ، ثم البحث في المصاحف المخطوطة واستكشاف خصائصها ، وأَحْبَبْتُ أن أنقل خلاصة هذه الفكرة للمهتمين في علوم القرآن ، لعلها تحرك عندهم الرغبة في مواصلة البحث في آفاق هذه الموضوعات ، التي تَبَيَّنَ لي من خلال مسيرتي العلمية الطويلة التي قاربت خمسة عقود أنها لا تزال بحاجة إلى مثل هذه الدراسات.

أما البحث في علم رسم المصحف من خلال علم الخطوط القديمة فإنه يمكن أن يؤدي إلى تعميق معرفتنا بأمرين مهمين :

الأول : تعزيز معرفتنا بأصل الخط الذي كُتِبَ به القرآن الكريم ، من خلال البحث في النقوش والكتابات العربية التي ترجع إلى عصر صدر الإسلام ، وما قبله ، وقد كَثُرَ في الآونة الأخيرة اكتشاف نقوش وكتابات على الصخور المحيطة بمدن الحجاز ، والمحاذية لطرق القوافل ، ولا تزال الدراسة لهذه النقوش في بداياتها ، ولا تزال الاكتشافات لم تبلغ غاياتها ، فبلاد العرب الممتدة في أنحاء الجزيرة ، وفي أطرافها الشمالية من بلاد الشمام ، والمناطق المحاذية للعراق تحتفظ بكنوز من الكتابات العربية القديمة ، التي ستعزز دراستها معرفتنا بالخط العربي الحجازي الذي كُتِبَ به القرآن الكريم.

الثاني : تعزيز معرفتنا بخصائص الخط الحجازي الذي كُتِبَ به القرآن الكريم في عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين ، والوقوف على مقدار التوافق بين خصائص تلك الكتابات وخصائص الرسم القرآني ، لحسم عدد من القضايا التي لا تزال تشغل فكر الدارسين ، منها : هل الرسم القرآني توقيفي أو اجتهادي ، ومنها : تعليل ظواهر الرسم في ضوء خصائص الكتابة العربية التي كانت مستعملة في تلك الحقبة ، كما تظهر في النقوش القديمة التي لا تقبل التأويل ولا التزوير.

وقد لمست فائدة دراسة النقوش العربية القديمة في دراستي لظواهر رسم المصحف ، حين كتبت رسالتي للماجستير (رسم المصحف : دراسة لغوية تاريخية) ، وتعززت قناعتي بجدوى السير في هذا الطريق في ما كتبتُ من بحوث لاحقة حول ظواهر الرسم وتعليلها.

ومن الدراسات الجديدة التي لفتت نظري في هذا الاتجاه كتاب (نقوش الصحابي الجليل خالد بن العاص وأبنائه في منطقة الباحة) للدكتور أحمد بن سعيد قشاش ، الذي صدر سنة 2015م ، ويمكن كتابة العديد من الدراسات حول النقوش العربية القديمة التي يتوالى اكتشافها في السنين الأخيرة ، وموازنتها بظواهر الرسم ، من حيث أشكال الحروف وصورها ، ومن حيث ظواهر الهجاء والرسم فيها.

وأما البحث في علم التجويد من خلال علم الأصوات اللغوية فإنه مفيد للمشتغلين بقراءة القرآن وإقرائه ، من ناحيتين أيضاً:

الناحية الأُولى : تعميق إدراكنا لعملية إنتاج الأصوات اللغوية ، التي هي مادة القراءة القرآنية ، ومعرفة خصائص الأصوات اللغوية من خلال الوسائل الحديثة لتحليل الصوت ودراسته ، وتوسيع فهمنا للأحكام الصوتية الناتجة عن التركيب ، من مثل الإدغام ، والإخفاء ، والترقيق والتفخيم ، والمد والقصر ، ونحوها.

والناحية الثانية : استكشاف ما في تراثنا الصوتي الذي أنجزه علماء العربية وعلماء القراءة والتجويد من جوانب التميز ، في ضوء التقدم العلمي الحاصل في وسائل دراسة الأصوات اللغوية ، وإبراز تلك الجوانب والبناء عليها ، ومراجعة جوانب القصور واستكمالها.

وسبق لي إنجاز عدد من البحوث في هذا المجال ، بدءاً بأطروحتي للدكتوراه : (الدراسات الصوتية عند علماء التجويد) ، ومروراً بمجموعة الأبحاث الصوتية الجديدة التي أنجزتها في ضوء هذا المنهج ، وانتهاء بكتاب (أهمية علم الأصوات اللغوية في دراسة علم التجويد) ، وأحسب أن مجال البحث في هذا الميدان لا يزال واسعاً لمن يروم الخوض فيه.     

وأما البحث في المصاحف المخطوطة واستكشاف خصائصها في الرسم والضبط ، والتجزئة والعد وغيرها ، فإنه لا يزال في مراحله الأولى ، فلم تحظ تلك المصاحف بالعناية المناسبة ، غفلةً من الدارسين عما تكتنزه من فوائد علمية وفنية ، ويبدو أن انتشار المصاحف المطبوعة قد قلل من الاهتمام بالمصاحف المخطوطة ، ودفع بها إلى رفوف المكتبات ، وإلى عالم النسيان.

وكنت قد لمست فوائد الاطلاع على المصاحف المخطوطة حين اشتغلت برسم المصحف ، لكن الاطلاع على تلك المصاحف كان أمراً غاية في الصعوبة والتعقيد ، قبل بضعة عشرات من السنين ، وتغيرت الحال اليوم ، وأصبح الاطلاع عليها ميسوراً ، بسبب تطور وسائل التصوير الرقمي ، ووسائل الاتصال الحديثة ، وسبق لي أن كتبت سلسلة مقالات عن أهمية هذا النوع من البحوث ، جمعتها في كتاب (علم المصاحف : مجموعة أبحاث) ، وعززتها بأول دراسة تطبيقية للربط بين المصاحف المخطوطة وعلوم القرآن في كتابي (علوم القرآن الكريم بين المصادر والمصاحف : دراسة تطبيقية في مصاحف مخطوطة).

وليس ثمة حدود لآفاق البحث في المصاحف المخطوطة ، فهناك مئات المصاحف ، بل آلاف المصاحف المخطوطة التي تنتظر من يدرسها ، ويكشف عن خصائصها ، ويربطها بتاريخ مسيرة المصحف  وعلومه عبر القرون ، وجميع المصاحف المخطوطة تستحق مثل تلك الدراسة : القديمة ، والمتأخرة ، والمعاصرة ، فكل مصحف مخطوط هو ثمرة جهود عظيمة لخطاط ، ومزخرف ، وعالم بالرسم والقراءة ، والعد ، والوقف ، ومن خلال تلك الدراسات سوف نتمكن من كتابة تاريخ المصحف الشريف.

هذه بعض آفاق البحث التي يمكن أن يرتادها الباحثون من الشباب الذين يتطلعون للتخصص في علوم القرآن الكريم ، إلى جانب دراسات أخرى تتعلق بقراءة القرآن وتجويده ، وتفسير آياته وتدبرها ، والبحث في وجوه إعجازه ، وبيان سبل هداياته التي تنتظر البشرية من يهديها إليها ، ويقربها منها ، والله تعالى ولي التوفيق ، والهادي إلى سواء السبيل.

غانم قدوري الحمد

أربيل  –   العراق

26/12/2108م  =  19/4/1440هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 4 =