إخفاء الميم الساكنة عند الباء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، وسلام على عباده الذين اصطفى ، أما بعد :

فإن جمهور أهل الأداء في زماننا يصفون نطق الميم الساكنة قبل الباء في مثل : (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) [النجم: 28] ، وفي مثل : (أَنْ بُورِك) [النمل:8] ، بأنه إخفاء ، ومنهم من يسميه إخفاءً شفويّاً ، لكنهم مختلفون في كيفية نطق الميم المخفاة ، فمنهم من يطبق شفتيه للميم والباء ، ومنهم من يفتح شفتيه قليلاً لنطق الميم ، ثم يطبقهما لنطق الباء .
وكنت قد درست هذا الموضوع ، وجمعت أقاويل العلماء فيه في وقت سابق (1) ، والذي جعلني أعود إليه هو أني وقفت على أدلة جديدة تعزّز ما رجحته من قبل في كيفية نطق الميم المخفاة عند الباء ، ويمكن أن أعرض تلك الأدلة من خلال تقسيمها إلى دليل نقلي وآخر عقلي:

(1) الدليل النقلي:
وقفت مؤخراً على نص يؤكد بشكل واضح انطباق الشفتين في إخفاء الميم عند الباء ، فقد قال عبد الواحد بن محمد بن علي بن أبي السداد ، أبو محمد المالقي (ت 705هـ) في كتابه : شرح التيسير للداني ، المسمى : الدر النثير والعذب النمير ، وهو يتحدث عن قلب النون الساكنة والتنوين ميماً قبل الباء : ” لا خلاف في لزوم القلب في جميع هذه الأمثلة وما أشبهها ، وحقيقة القلب هنا أن تلفظ بميم ساكنة بدلاً من النون الساكنة ، ويُتَحَفَّظُ من سريان التحريك السريع ، ومعيار ذلك : أن تنظر كيف تلفظ بالميم في قولك : الخَمْر والشَّمْس، فتجد الشفتين تنطبقان حال النطق بالميم ، ولا تنفتحان إلا بالحرف الذي بعدها ، وكذا ينبغي أن يكون العمل في الباء ، فإن شرعت في فتح الشفتين قبل تمام لفظ الميم ، سرى التحريك إلى الميم ، وهو من اللحن الخفي الذي ينبغي التَّحَرُّزُ منه ، ثم تلفظ بالباء متصلة بالميم ، ومعها تنفتح الشفتان بالحركة ، وَلْيُحْرَزْ عليها ما تستحقه من الشدة والقلقلة “(2).
وهذا النص وإن كان يختص بنطق الميم المنقلبة عن النون الواقعة قبل الباء في مثل (أن بُورِكَ) فإنه ينطبق على نطق الميم الساكنة قبل الباء في مثل : (وما لَهُمْ بِه) ، يؤكد ذلك قول عبد الوهاب القرطبي ( ت 461 هـ ) :” فلا يوجد في اللفظ فرق بين قوله : (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) [الرعد:33] ، (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) [سـبأ: 8] ، وبين قوله : (أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ) [نوح:17] ، (أَنْبِئُونِي) [البقرة:31] ، سواء كان ما قبل الباء نوناً أو ميماً ، لا فرق بينهما ، كله في اللفظ سواء” (3)، كما يدل عليه عدم تفريق أهل الأداء في زماننا بين الحالتين .
والمالقي ، صاحب القول السابق ، قال عنه ابن الجزري :” أستاذ كبير ، شرحَ كتاب التيسير شرحاً حسناً ، أفاد فيه وأجاد”(4) ، قرأ على عدد من شيوخ الإقراء في زمانه ، منهم الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص المعروف بابن الناظر ( ت 680هـ ) قاضي المرية ومالقة ، والذي قال عنه ابن الجزري :” الأستاذ المجوِّد … تصدر للإقراء بمالقة ، وألَّف كتاباً كبيراً حسناً في التجويد ، سمَّاه : الترشيد ، قال أبو حيَّان : رحلت إليه قصداً من غرناطة لأجل الإتقان والتجويد “(5).
والتعريف بالمالقي وكتابه يحتمل تفصيلاً أكثر من هذا ، لكن خشية الإطالة تمنع من ذلك الآن ، ولعل القارئ يدرك مما ذكرته عنه منزلة الرجل وعلو قدره في علم التجويد ، وقيمة رأيه العلمي في الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه ، وأحسب أن قوله السابق مستغن عن التعليق ، لوضوح دلالته على وجوب انطباق الشفتين عند نطق الميم الساكنة قبل الباء، بل هو يجعل انفتاحهما من اللحن الخفي !

(2) الدليل العقلي:
إن مذهب من يفتح شفتيه في نطق الميم الساكنة قبل الباء يثير إشكالاً صوتيّاً ، لأن التأثر بين الأصوات المتجاورة يخضع لضوابط أو قوانين محددة ، ونُطْقُ كلا الصوتين الميم والباء يقتضي انطباق الشفتين ، والفرق بينهما أن النَّفَسَ يجري مع الميم من الأنف ، ويخرج مع الباء من الشفتين ، وانفراج الشفتين أو انفتاحهما قليلاً في مذهب بعض القراء يأتي بعنصر صوتي جديد لا وجود له في العملية النطقية ، كما أنه قد يزيد العملية النطقية صعوبة ، ومن ثَمَّ فإن ذلك يرجح مذهب من يطبق شفتيه ، على نحو ما يتضح من البيان الآتي:

( أ ) انفتاح الشفتين يضيف عنصراً صوتيّاً جديداً :
يخضع التغير الذي يلحق الأصوات اللغوية بسبب المجاورة في التركيب إلى ضوابط مطّردة ، أو قوانين صوتية ثابتة ، ومن تلك القوانين أن التأثر بين صوتين متجاورين لا يأتي بعناصر صوتية جديدة ليست في أحد ذينك الصوتين ، فأي تغيير صوتي يلحق أحد الصوتين إنما يستمده من مكونات الصوت المجاور له ، فتجاور صوتين أحدهما مجهور والآخر مهموس قد يؤدي إلى تأثر أحدهما بالآخر في إحدى هاتين الصفتين ، وكذلك تجاور صوتين في أحدهما صفة الإطباق قد يؤدي إلى تأثر الصوت الآخر بها، ويمكن ملاحظة ذلك في مثل قول الله تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ) [البقرة:256] ، (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ) [الأحزاب:13]. وصفة انفراج الشفتين أو انفتاحهما التي تظهر في مذهب بعض أهل الأداء عند إخفاء الميم الساكنة عند الباء ليست من مكونات أيٍّ من الصوتين ، ومن ثَمَّ فإن ذلك جاء خارجاً عن القوانين الصوتية التي تخضع لها ظاهرة التأثر بين الأصوات المتجاورة في السلسلة الكلامية.

( ب ) انفتاح الشفتين يزيد النطق صعوبة:
إن تأثر الأصوات بعضها ببعض حين تتجاور في الكلام يهدف إلى تحقيق أمرين ، الأول : السهولة في النطق عن طريق التقريب بين صفات الأصوات المتجاورة ، والآخر : الاقتصاد في المجهود عن طريق اختصار حركات أعضاء النطق ، وإذا حللنا ظاهرة التقاء الميم الساكنة بالباء في ضوء هذين الأمرين سنجد أن انفتاح الشفتين بالميم يؤدي إلى زيادة في عمل أعضاء النطق ، ويأتي بعنصر صوتي جديد يتنافى مع مقصد التقريب بين الأصوات واختصار عملية النطق.
أما انطباق الشفتين في نطق الميم الساكنة والباء فإنه أقرب إلى تحقيق مقصد السهولة في النطق والاقتصاد في المجهود ، فتندمج عملية انطباق الشفتين لنطق الميم بعملية انطباقهما لنطق الباء ، سوى أن الناطق يرخي أقصى الحَنَكِ الليِّنِ عند نطق الميم ليجري الصوت في الخياشيم ، ثم يطبقه عند نطق الباء ليتحقق النطق بالباء شديدة ، ويخرج الصوت من بين الشفتين بعد انفتاحهما .
وما ذكرته من الدليل النقلي مع الدليل العقلي يرجح رواية من يطبق شفتيه عند نطق الميم المخفاة قبل الباء ، لكن ذلك الانطباق أخف من انطباقهما في الباء ، لأن انطباقهما في الميم القصد منه وضع عائق في طريق النَّفَس لمنع خروجه من الفم ، وتحويله إلى الخياشيم ، وذلك يتحقق بأدنى انطباق ، أما انطباقهما في نطق الباء فإن القصد منه تحقيق صفة الشدة ، وهي لا تتحقق إلا بتقوية الانطباق ، وصرَّح المرعشيُّ ( ت 1150 هـ ) بذلك في قوله :” وبالجملة إن الميم والباء يخرجان بانطباق الشفتين ، والباء أدخل وأقوى انطباقاً ، كما سبق في بيان المخارج ، فتلفظ بالميم في : (أنْ بُورِكَ) بغنة ظاهرة وبتقليل انطباق الشفتين جدّاً ، ثم تلفظ بالباء قبل فتح الشفتين بتقوية انطباقهما ، وتجعل المنطبق من الشفتين أدخل من المنطبق في الميم “(6) .

وختاماً ، إن ما أوردته في هذه العجالة ، وما نقلته في بحثي السابق عن الموضوع ، القصد منه تنبيه القراء وأهل الأداء في زماننا ، ولفت نظرهم إلى هذه القضية ، لمراجعتها وإعادة النظر فيها ، حتى تجتمع كلمتهم ، ويتوحد أداؤهم على أصح نطق وأثبت رواية . والله تعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

———————————

(1) وذلك في بحث (إخفاء الميم في النطق العربي) المنشور في كتاب: أبحاث في علم التجويد (ص 134-145) طبعة دار عمار، عمان 1422هـ – 2002م.

(2) شرح التيسير (ص 448) تحقيق الشيخ عادل أحمد عبدالموجود وصاحبيه، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت 1424هـ – 2003م.

(3) الموضح في التجويد (ص175)، تحقيق غانم قدوري الحمد، دار عمار، عمان 1421هـ – 2000م.

(4) غاية النهاية في طبقات القراء 1/477، تحقيق ج. برجستراسر، مكتبة الخانجي بمصر 1352هـ – 1933م.

(5) المصدر نفسه 1/242.

(6) جهد المقل ص 202، تحقيق د. سالم قدوري الحمد، دار عمار، عمان 1422هـ – 2001م.

القسم: حديث الشهر | التاريخ: 29 يوليو, 2014 | 500 | 3٬183 مشاهدة | لايوجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 4 =