الإبرازة الثانية – كتاب (البيان في عَدِّ آيِ القرآن) للداني أُنْمُوذَجاً

من علماء السلف مَن نَصَّ في مقدمة كتابه أنه قد راجع الكتاب ، فزاد عليه أو حَذَفَ منه ، من ذلك ما ذكره ابن درستويه في مقدمة (كتاب الكُتَّاب) من أنه أخرج الكِتَاب أولاً مختصراً ثم أعاد النظر فيه فزاد فيه ، ومن ذلك أيضاً كتاب (غريب الحديث) للخطابي الذي ذَكَرَ في مقدمته أنه أخرج الكتاب لأصحابه قبل إتمام النظر فيه ، ثم لَمَّا وَجَدَ متسعاً من الوقت أعاد النظر فيه فَغَيَّرَ وأَصْلَحَ ، وزَادَ وحَذَفَ ، حتى استقر الكتاب على ما هو عليه ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، وتُسَمَّى مراجعة الكتاب وإخراجه أكثر من مرة بالإبرازة ، وهي بمثابة الطبعة في عصرنا.

وكنتُ قد صادفتُ شيئاً من ذلك في تحقيقي كتاب ( البديع في معرفة ما رُسِمَ في مصحف عثمان بن عفان ) لابن معاذ الجهني ، وفي تحقيقي كتاب (التمهيد في معرفة التجويد) لأبي العلاء العطار ، ولم يكن المؤلفون في أصول التحقيق في عصرنا غافلين عن هذه الظاهرة ، فَتَحَدَّثَ بعضهم عنها ، وضَرَبَ لها الأمثلة ، وبَيَّنَ كيفية التعامل معها ، والذي جعلني أُعِيدَ الحديث عنها هو ما وَقَعَ لي وأنا أراجع تحقيقي القديم لكتاب (البيان في عد آي القرآن) للداني.

وذلك أني كنتُ قد اشتغلت بتحقيق الكتاب وفرغتُ منه سنة 1988م ، ثم نُشِرَ في مركز المخطوطات والتراث والوثائق في الكويت سنة 1994م ، واعتمدتُ في تحقيقه على ثلاث نسخ خطية ، هي كل ما تيسر لي الاطلاع عليه في ذلك الوقت ، ومَرَّتِ السنون ، واتسعت معرفتي بالمخطوطات وقواعد التحقيق ، وتَيَسَّرَتْ وسائل الحصول على المخطوطات قياساً بالزمان الماضي ، وعَزَمْتُ على مراجعة ما حَقَّقْتُهُ مِن كُتُبٍ من قبل ، بالاستفادة مِمَّا حصلتُ عليه من مخطوطات جديدة ، ولتدارك ما وَقَعَ فيها من أخطاء.
وأعدَدْتُّ العدة لمراجعة تحقيقي لكتاب (البيان في عد آي القرآن) للداني ، وسعيتُ للحصول على مخطوطات جديدة للكتاب من تركيا ، والمغرب ، واليمن ، وكنت أحسب أَنَّ العمل في الكتاب سوف يكون سهلاً بعد أَنْ حصلتُ على أكثر المخطوطات المعروفة للكتاب ، وحين شرعت بدراسة تلك المخطوطات اكتشفتُ أَنَّ في بعضها زيادات كثيرة على النص الذي حققته من قبل تصل إلى خمس مادة الكتاب تقريباً ، فثلاثة من المخطوطات الجديدة تتطابق مع نص الكتاب المحقق ، ونسختان فيهما تلك الزيادات ، ولم يشر المؤلف إليها في مقدمة النسخ الخطية التي تضمنت تلك الزيادات.

ودرستُ الزيادات التي ظهرتْ في النسختين المذكورتين ، والتي يمكن تصنيفها على ثلاثة أصناف :
1) زيادة أبواب كاملة على الكتاب ، مثل باب ذكر الخموس ، وباب ذكر مَن عَدَّ مِن السلف والأئمة فواتح السور رؤوسَ آيٍ ومَن لم يَعُدَّها منهم ، وباب ذكر جملة عدد آي القرآن في قول الصحابة والتابعين.
2) زيادة عدد كبير من الأحاديث والروايات المسندة ، بلغت أربعة وستين حديثاً ، استقى المؤلف أكثرها من مصادر جديدة اطلع عليها بعد تأليف الكتاب على ما يبدو.
3) زيادة تعليقات وتوضيحات في مواضع كثيرة ، بعضها لا يزيد على جملة واحدة ، وبعضها يصل إلى فقرات أو صفحات ، وقد أحصيت أكثر من مئة موضع منها ، سوى ما تقدَّم من الأحاديث المزيدة.

وتأكَّد لي أَنَّ تلك الزيادات من المؤلف نفسه ، وأَنَّ النسختين تمثلان إبرازةً ثانيةً للكتاب ، واتَّخَذْتُ منهما أصلاً لتحقيق الكتاب في طبعته الجديدة ، مع عدم إهمال النسخ الأخرى ، وفق خطة بَيَّنْتُهَا في الدراسة التي كتبتُها بين يدي النص المحقق ، ولا أجد ضرورة للإطالة بذكرها الآن.

والملاحظة التي أردتُّ إيصالها إلى القارئ من خلال ما كتبته في هذه المقالة هي تذكير كل مَن يُقْدِمُ على تحقيق كتابٍ من الكتب أن يحرص على الاطلاع على جميع مخطوطاته قَدْرَ المستطاع ، حتى يتيقن أن النص الذي يحققه يمثل آخر صيغة ارتضاها المؤلف للكتاب ، وألَّا يدفعه الحرص على إخراج الكتاب على التعجل في ذلك قبل الاطلاع على ما هو معروف من مخطوطات الكتاب أو أغلبها ، تفادياً لنشر نَصٍّ كان المؤلف قد تَخَلَّى عنه أو عَدَّلَ فيه أو زاد عليه.

هذا ، واللهُ تعالى وَلِيُّ التوفيق.

القسم: حديث الشهر | التاريخ: 4 أبريل, 2017 | 886 | 948 مشاهدة | لايوجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية + 2 =