المحطة الأخيرة

الحمدُ للهِ الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدِيَ لولا أن هدانا الله ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمد رسول الله ، الذي أخرج الله به البشرية من الظلمات إلى النور ، ورَضِيَ الله عن صحابته خير الأصحاب ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، أَمَّا بَعْدُ

فإن المسافر سفراً طويلاً يَمُرُّ في رحلته الطويلة بمحطات ، ويظل نظره معلقاً بالمحطة الأخيرة من رحلته ، حتى إذا ما اقترب منها أخذ يتفقد أغراضه ، ويُهَيِّئُ نَفْسَهُ للمغادرة ، ويحرص أَلَّا ينسى منها شيئاً ، وهكذا رحلة الإنسان في الحياة ، تبدأ بمحطته الأولى ، ويمر بمحطات ، وتنتهي رحلته بالمحطة الأخيرة ، ومن أسرار هذه الحياة أن الله تعالى أخفى عن الناس ساعة الوصول إليها ، ومن الناس من يتهيأ للنزول قبل وصوله إلى المحطة الأخيرة في رحلته ، ومنهم مَن يَصِلُ إليها وهو في غفلة من أمره ، فَتُرْبِكُهُ المفاجأة فيحمل من أغراضه ما تَصِلُ إليه يده ، وقد ينسى منها ما هو أنفع له مما حمله ، وتفوته الفرصة ، ويندم على ما فاته.

ومن الحكمة أن يتفقد الإنسان حاله ، وأين وصل في رحلته ، وأن ينظر في ما احتمله في رحلته الطويلة ، وأن يتخفف مما لا فائدة له به ، وأن يحرص على ما ينفعه ، قبل أن يصل إلى المحطة الأخيرة ويضطر للمغادرة قبل أن يكون قد تهيأ للنزول.

لعلك تَعَجَّبْتَ أخي الزائر للموقع والقارئ لهذه الكلمات من هذا الحديث ، وقد يزداد عَجَبَكُ من سؤالي لك : هل فَكَّرْتَ في المحطة التي وصلت إليها في رحلتك ، وهل نظرتَ في ما احتملته معك في سفرك الطويل في هذه الحياة ؟ إذا لم تُفَكِّرْ في ذلك فإني سوف أُحَدِّثُكَ عن رحلتي ومحطتي التي وصلتُ إليها ، فإن أعجبك حديثي فلعله يُذَكِّرُكَ برحلتك ، وإن لم يعجبك فلعلك تعذرني ، فللصِّبَا أحلامٌ ، وللشبابِ آمالٌ ، ذَهَبَ بها مَرُّ السنين ورَيْبُ المَنُونِ.

ماذا ينتظر المرء بعد أَنْ قَضَى في هذه الحياة عشراتِ السنين ، وتَوَسَّطَ عِقْدَهُ السبعين ، أليس مِن الحكمة أن يُفَكِّرَ في المحطة التي وصل إليها في رحلته في هذه الحياة ، وأن يتفقد أغراضه للتهيؤ للمغادرة ، قبل أن تربكه لحظة الوصول؟

ولا شك في أني قد دَنَوْتُ إلى المحطة الأخيرة من حياتي ، فبعد هذا العمر الطويل ، وبعد أربعين سنة قضيتها في القراءة والبحث والتدريس والتأليف والتحقيق ، قد صَدَرَ أمر إحالتي إلى التقاعد من الوظيفة ، ويقول ذلك الأمر ضِمْناً : إنَّكَ قد تعبتَ من الرحلة الطويلة ، ونَفِدَ الزادُ أو كاد ، وقَلَّ العطاءُ ، وآنَ لك أَنْ تستريحَ ، وأن تراجع أوراقك ، وأن تتفقد أغراضك ، والحمد لله الذي جعل في العمر بقية ، وأتاح الفرصة لكتابة هذه الكلمات والتوجه بها إليكم إخواني وأخواتي زُوَّارَ هذا الموقع.

قد لا يعنيكم كثيراً هذا الحديث ، لكنه قد يُذَكِّرُكُم بأمر ينفعكم ، واسمحوا لي أن أَذْكُرَ لكم ما يشغلني الآن وما أقوم به الآن من عمل ، وأن أشير إلى ما يصل إليَّ من رسائلَ مِن بعضكم ، وقد لا أتمكن من تحقيق جميع ما تطلبون فيها.

أما ما يشغلني الآن فهو مراجعة كتاباتي السابقة ، وبخاصة ما حَقَّقْتُ من كتب ، وبدأت العمل في تلك الخطة منذ سنوات ، وسَمَّيْتُهَا بخِطَّةِ العَشْرِ الأَوَاخِرِ ، وقد أشرتُ إليها في مقدمة الطبعة الجديدة الكاملة من كتاب (البديع في رسم المصحف) لابن معاذ الجهني ، وكنت قد سافرت إلى تركيا في صيف 2013 لجمع المخطوطات التي تساعدني في المراجعة ، وسَعَيْتُ للحصول على مخطوطات من بلدان أخرى ، وأنجزت مراجعة عدد من الكتب ، بعضها طُبِعَ ، وبعضها تحت الطباعة ، والحمد لله ، وأشتغل الآن في مراجعة ما بَقِيَ من كتب ، وأرجو أن أتمكن من إنجاز مراجعة تحقيقها في ما بَقِيَ من العمر ، وكذلك مراجعة ما كَتَبْتُهُ من بحوث وما أَلَّفْتُهُ من كتب ، وأود في هذه المناسبة تذكيركم بترحيبي بأي ملاحظة أو نُصْحٍ يتعلق بكتاباتي ، لعلي أستدرك ذلك وأنا أقوم بالمراجعة.

أما رسائلكم التي تصل إليَّ عن طريق الموقع ، وعن طريق وسائل الاتصال الأخرى ، فموضوعاتها شتى ، وأنا أحرص على الاستجابة لِمَا يرد فيها ، لكني أحياناً لا أتمكن من تحقيق ذلك ، إما لابتعادها عن تخصصي العلمي ، ولا يمكن للمرء أن يُفْتِيَ في كل شيء ، أو لعدم توفر أسباب الإجابة عنها لدي.

وأود الإشارة إلى صنفين من الرسائل :

الأول : يَطْلُبُ أصحابها المساعدة في اختيار موضوع لرسائلهم العلمية أو أطاريحهم ، وهذا أمر مهم وجدير بالاهتمام ، لكن لا يخفى عليكم ما يكتنفه من صعوبة وما يتركه في نفسي من حرج ، ففي الوقت الذي يكون السائل قد أحسن الظن بي ، ويتوقع أَنْ أَدُلَّهُ على موضوع يُخْرِجُهُ من حيرة البحث عن الموضوع ، أجد نفسي غير قادر على تلبية طلبه ، لعدة أسباب : منها كثرة الطلب على الموضوعات ، وتنوع العلوم التي تتعلق بها ، وعدم متابعتي آخر ما استجد في ميدان البحث في العلوم التي لي صلة بها.

ونصيحتي لإخواني الذين يبحثون عن موضوعات لرسائلهم وأطاريحهم أن يكثروا من القراءة في الميدان الذي يرغبون الكتابة فيه ، وأن يسجلوا بعض الأفكار التي يمكن عرضها على مَن يتوجهون إليه بطلب الاستشارة فيها ، ليتمكن من مناقشتها والبناء عليها ، وليس من المناسب التقدم بطلب موضوع جاهز للماجستير أو الدكتوراه بشكل مطلق ، وأَفْضَلُ البحوث ما جاء عن معاناة شخصية وقراءة واسعة ، والله تعالى ولي التوفيق.

الأَمْرُ الآخَرُ : يَطْلُبُ عدد من الإخوة إجازة بمؤلفاتي ، وأنا أُقَدِّرُ رغبتهم تلك وحرصهم على إحياء سُنَّةِ الإسناد ، لكني لا أجد كبير فائدة من مثل هذا النوع من الإجازة ، وأحسب أَنَّ طباعة الكتب ونشرها في زماننا بمثابة الإجازة الضمنية ، وقد كتبتُ إجازة عامة لعدد ممن تكرر طلبهم ذلك مني ، حتى لا يظل في نفوسهم شيء ، وأجزتُ عدداً محدوداً ممن قرأ عليَّ بعض كتبي ، مثل الشرح الوجيز على المقدمة الجزرية ، والميسر في علم التجويد ، كما أجزت عدداً محدوداً ممن قرأ عليَّ رواية حفص عن عاصم ، أو قراءة عاصم بِرَاوِيَيْهِ ، التي لديَّ إجازة بها ، والحمد لله.

ولكم شكري وتحياتي أيها الإخوة زُوَّارَ الموقع ، وخالص دعائي ، وأرجو منكم الدعاء ، حفظكم الله ورعاكم ، وللقائمين على هذا الموقع كل الشكر والثناء الحسن، جزاهم الله تعالى كل خير ، وجعل ذلك في ميزان حسناتهم ، وتقبل الله منا ومنهم صالح الأعمال ، وأفاض علينا وعليكم الأمن والسلام ، وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أربيل – العراق

10/ربيع الأول/1437هـ = 21/12/2015م

 

 

القسم: حديث الشهر | التاريخ: 30 ديسمبر, 2015 | 736 | 3٬952 مشاهدة | 3 تعليقات

3 تعليقات على “المحطة الأخيرة

  1. عمر خليل البصري

    بارك الله في عمركم – شيخنا الجليل – ، ورفع قدركم في الدارين ، وزادكم فضلا وعلما

    رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × اثنان =