الميمُ والنونُ عندَ ابنِ سِينَا

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حفظكم الله شيخنا ورعاكم، وأطال عمركم في الصالحات، وبعد:
فقد قال ابن سينا في أسباب حدوث الحروف: (والميم والنون قد يكون منهما ما يُقْتَصَرُ [فيه] على الدَّوِيِّ الحادث من الهواء في تجويف آخر المَنْخِرِ، ولا يُرْدَفُ حَبْسُهُ عندَ الإطلاق بِحَفْزِ الهواء إلى خارج، وهذا كَغُنَّةٍ مجردة).
المرجو توضيح كلام ابن سينا إن أمكن لكم ذلك.

الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أقول وبالله التوفيق : إن أسلوب ابن سينا (ت 428هـ) في وصف الأصوات يختلف عن أسلوب اللغويين والنحاة الذين رَكَّزُوا على الجانب النطقي ، بينما تَوَسَّعَ ابن سينا في نظرته ، فاستعان بتشريح أعضاء آلة النطق ، وبَحَثَ عن أسباب حدوث الصوت ، ولم يكتف بوصف أصوات العربية ، بل وصف أصواتاً تُسْتَعْمَلُ في لغات أخرى ، ووازن ذلك بأصوات الطبيعة التي تُشْبِهُ أصوات البشر.

واستعمل ابن سينا مصطلحات وعبارات في وصف الأصوات وطريقة إنتاجها قد لا تتوافق دائماً مع ما استعمله علماء العربية ، ومن ثَمَّ فإن فهم كلام ابن سينا ينبغي أن يكون من خلال دلالة المصطلحات والعبارات التي استعملها.

ولا يخفى على القارئ أن هناك روايتين لرسالة (أسباب حدوث الحروف) لابن سينا ، وظهرت بعض الطبعات للرسالة برواية واحدة ، وبعضها يضم الروايتين ، وما ورد في الرواية الثانية يوضح أحياناً ما ورد في الرواية الأولى ، ولعل أصح الطبعات للرسالة هي الطبعة التي صدرت عن مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1983م ، بتحقيق محمد حسان الطيان ويحيى مير علم ، وبتقديم ومراجعة الدكتور شاكر الفحام والأستاذ أحمد راتب النفاخ ، ورجعتُ إلى هذه الطبعة وأنا أتتبع كلام ابن سينا المذكور.

وما ذكره الأخ السائل من كلام ابن سينا جاء في الفصل الخامس من رسالته في أسباب حدوث الحروف ، في سياق الحديث عن حروف شبيهة بحروف لغة العرب ، وليست منها ، بعد أن فرغ في الفصل الرابع من وصف حروف اللغة العربية.

ومما يساعد في وضع كلام ابن سينا في سياقه ، ويُعِينُ على إدراك مراده منه، أن ننقل ما قاله أولاً في وصف طريقة نطق الميم والنون في اللغة العربية ، ثم نُتْبِعُهُ بوصف طريقة نطق هذين الصوتين في غير العربية ، وهو الكلام الذي يسأل عنه الأخ السائل.

قال ابن سينا (ص 83):” وأما إذا كان حَبْسٌ تامٌّ غير قوي ، وكان ليس [كذا] الحَبْسُ كله عند المخرج بين الشفتين ، ولكن بعضه إلى ما هنالك ، وبعضه إلى ناحية الخيشوم ، حتى يُحْدِثَ الهواءُ عند اجتيازه بالخيشوم والفضاءِ الذي في داخله دَوِيّاً ، حَدَثَ الميمُ.

وإن كان بَدَلَ الشفتين طَرَفُ اللسان وعضوٌ آخَرُ حتى يكون عضوٌ رَطْبٌ أَرْطَبَ من الشفة ، يقاوم الهواء بالحبس ثم يُسَرَّبُ أكثره إلى ناحية الخيشوم ، كانت النون”.

وهذا الوصف لا يبتعد عن وصف سيبويه وعلماء العربية للنطق بالنون والميم ، والذي يتلخص باعتراض النَّفَسِ في الشفتين عند النطق بالميم ، وفي اللثة عند النطق بالنون ، فيجري الصوت من الخيشوم ، قال سيبويه وهو يتحدث عن الحروف المجهورة (الكتاب 4/434): “فهذه حال المجهورة في الحلق والفم، إلا أن النون والميم قد يُعْتَمَدُ لهما في الفم والخياشيم فتصير فيهما غنةٌ، والدليل على ذلك أنك لو أمسكت بأنفك ثم تكلمت بهما لرأيت ذلك قد أخل بهما”. وقال (4/435):” ومنها حرفٌ شديد يجري معه الصوت لأن ذلك الصوت غنةٌ من الأنف، فإنما تخرجه من أنفك واللسان لازم لموضع الحرف، لأنك لو أمسكت بأنفك لم يجر معه الصوت. وهو النون، وكذلك الميم”.

أما قول ابن سينا في أسباب حدوث الحروف (ص 83) الذي يسأل عنه الأخ السائل ، وهو : ” (والميم والنون قد يكون منهما ما يُقْتَصَرُ [فيه] على الدَّوِيِّ الحادث من الهواء في تجويف آخِرِ المَنْخِرِ، ولا يُرْدَفُ حَبْسُهُ عند الإطلاق بِحَفْزِ الهواء إلى خارج، وهذا كَغُنَّةٍ مجردة) ، فهو في وصف بعض أصوات الغنة (أو الأصوات الأنفية) التي تُسْمَعُ في بعض اللغات الأخرى غير العربية ، وهو صوت أشبه بالغنة الخالصة التي لا يصاحبها اعتراض للنَّفَس في الشفتين أو اللثة. فكل صوت من أصوات الغنة له مُعْتَمَدٌ في الفم أو الشفتين ، ومَجْرًى للنَّفَس في الأنف ، والصوت الذي يصفه ابن سينا يفقد معتمده في الفم أو الشفتين ، ويبقى مجرى النَّفَس من الأنف ، فتحدث الغنة ، وهو معنى قول ابن سينا : ( يُقْتَصَرُ [فيه] على الدَّوِيِّ الحادث من الهواء في تجويفِ آخِرِ المَنْخِرِ). وهو يشبه حينئذ صوت الغنة عند النطق بالنون المخفاة ، عند مَن يجافي طرف اللسان عن موضع النون ، فيبطل عمل اللسان ويبقى عمل الخيشوم ، علماً أن النص في الرواية الثانية للرسالة (ص 132) جاء على هذا النحو : ” والميم والنون قد يكون منهما ما يُقْتَصَرُ فيه على الدَّوِيِّ الحادث في غنة المَنْخِرِ”.

ولا يتضح تماماً دلالة باقي النص في الرواية الأولى للرسالة ، وهو قوله :” ولا يُرْدَفُ حَبْسُهُ عند الإطلاق بِحَفْزِ الهواء إلى خارج، وهذا كَغُنَّةٍ مجردة” ، ويمكن أن يراد به أن نطق الميم والنون في هذه الحالة ينساب الهواء معهما من غير حصول اعتراض للنَّفَس أو ضغط يُغَيِّرُ من صفة الغنة الخالصة في نطقهما عند أهل هذه اللغة التي يتحَّث ابن سينا عن النون والميم فيها.

والله تعالى أعلم.

القسم: إجابات | التاريخ: 13 يونيو, 2015 | 708 | 1٬535 مشاهدة | لايوجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + 7 =