تفخيم غنة إخفاء النون الساكنة والتنوين

الحمد لله ، وسلام على عباده الذين اصطفى ، أما بعد

فقد سألني أحد الإخوة المهتمين بالأداء ، وأحد مشايخ الإقراء في هذا العصر ، عن تفخيم غنة إخفاء النون الساكنة والتنوين ، واستشكاله قول مَن يقول بتفخيمها مع الحروف المستعلية ، وطلب بيان رأيي في ذلك ، وهل من دليل يُقَوِّي ذلك المذهب ، فأجبته ، متوكلاً على الله ، لأهمية هذا الموضوع في الأداء ، ورغبة في الوصول إلى القول الصحيح ، وقد حَبَّذَ الأخ الفاضل نشر الجواب ، ورَغِبَ في عدم التصريح باسمه ، وها أنا أنشر الجواب ، عسى أن يكون فيه ما ينتفع به بعض الطلاب ، والله الموفق للصواب ، إليه المرجع والمآب.

فضيلة الأخ الشيخ الدكتور ، حفظه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد

فقد أسعدني بيانكم لحقيقة الإخفاء ، وترجيحكم مذهب مَن يُخْفِي النون الساكنة والتنوين في موضع الحرف التالي للنون ، وليس بأن يُجْعَلَ طرفُ اللسان شاخصاً في مخرج النون ، من غير إلصاق له على اللِّثَةِ ، كما فهمتُ من رسالتكم صباح هذا اليوم.

وقد استوقفني التساؤل الذي ذكرتموه في قولكم :(أحسب أن انتقال اللسان إلى مخرج الحرف المخفى المفخم لا يلزم منه تفخيم الغنة ، بل يمكن ترقيقها عنده ، وهو أخفُّ على التالي ، في ما أجد . وبقي أن يقال: الغنة صفة النون، والنون مرققة إجماعًا، فكيف تكون صفتها مفخمة؟).

وكذلك قولكم :(لا سيما مع انعدام النص فيها عندي، واختلاف أهل الأداء فيها، فإذا عُدِم النصُّ، واختلف أهل الأداء؛ فالترقيق أولى في ما أحسب من وجهين:

الأول: دلالة النظر عليه ؛ فالغنة صفة النون، والنون مرققة.

الوجه الثاني: يُسْرُهُ على القارئ، واليسر من وجوه الترجيح المعتبرة عند إمكانه؛ فالنبي – صلى الله عليه وسلم – ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، ما لم يكن إثماً).

قلتُ : أحسنتم في هذا البيان والاستدلال ، أحسن الله عاقبتكم في الأمور كلها ، ووجدت نفسي أرجع إلى الموضوع من جديد ، وأراجع ما ذهبتُ إليه من قبل في ترجيحي تفخيم غنة الإخفاء مع الحرف المفخم ، وأَمْتَحِنُ ما ذكرتكم في ضوء أمرين ، الأول : ما نص عليه بعض علماء أهل الأداء المعاصرين ، والثاني : النظر في بعض الحقائق الصوتية المتعلقة بإنتاج الأصوات الأنفية ، وقد أعاد ذلك الامتحان القناعة عندي بما ترجَّح لديَّ من قبل ، وأذكر لكم ذلك ، لتنظروا فيه ، وتفيدوني برأيكم ، فقد يكون خَفِيَ علي شيء ، يقدح في ذلك الترجيح.

أولاً : انعدام النص عند علماء القراءة والتجويد على صفة الغنة عند الإخفاء ، من حيث الترقيق والتفخيم ، هذا صحيح بالنسبة لعلماء السلف المتقدمين ، أما المتأخرون فقد صرحوا بذلك ، وقد قال القائمون على مشروع (اتساق) الذي صدر في هذه الأيام في كتاب (مسائل مختارات ص94) : ” لم نقف فيه على نص لأحد من المتقدمين يخصُّ كيفية أداء غنة الإخفاء باعتبار الحرف الذي يليها تفخيماً وترقيقاً ، وإن نص على تفخيمها قبل الحرف المفخم بعض المتأخرين”.

ونص الشيخ عبد الفتاح المرصفي في هداية القاري (ص 181) على تفخيم غنة الإخفاء عند خمسة أحرف ، هي : الصاد والضاد والطاء والظاء والقاف ، لكل القراء ، وعند الغين والخاء لأبي جعفر القارئ.

ونقل الشيخ عبد الفتاح المرصفي في هداية القاري (ص 183) ، ومؤلفو كتاب (مسائل مختارات ص 95) عن الشيخ مراد عثمان (ت 1382هـ) قوله في السلسبيل الشافي :

وفَخِّمِ الغُنَّةَ إنْ تلاها        حروفُ الاستعلاءِ لا سِوَاهَا

وعن الشيخ إبراهيم بن علي السمنودي (ت 1429هـ) قوله :

والرَّوْمُ كالوَصْلِ ، وتَتْبَعُ الألِفْ      ما قبلَها ،  والعَكْسُ في الغَنِّ أُلِفْ

ولخص الشخ المرصفي ذلك في آخر باب الغنة وأحكامها (1/188) بقوله: “كيفية أداء الغنة : أنها تتبع ما بعدها من الحروف تفخيماً وترقيقاً ، وتخضع في ذلك لمراتب التفخيم الخمس بالتفصيل المتقدم ، وتُفَخَّمُ تفخيماً نسبياً في ما إذا كان حرف الاستعلاء بعدها مكسوراً ، على الأصح ، بل هو الصواب”. ونقل ذلك الشيخ أحمد الطويل في كتابه (فن الترتيل وعلومه 2/614).

ولا شك في أن ورود النص عن المتقدمين أقوى في الحجة من وروده عن المتأخرين ، لكن يمكن أن يكون نص المتأخرين قرينةً مرجِّحة إذا تضافرت الأدلة العقلية الأخرى! وإذا قلتم : إنَّ نص بعض المعاصرين يعارضه نص آخر مثله لبعض المعاصرين ، (إن وُجِدَ ذلك) ، وليس أولئك أولى بالأخذ بقولهم من هؤلاء ، قلت : لم يبق إلا النظر في الدليل المستند إلى طبيعة النطق وقوانينه الصوتية.

ثانياً : بعض الحقائق الصوتية المتعلقة بنطق الأصوات الأنفية ، ومنها الغنة ، فلا يخفى عليكم أن غلق مجرى النَّفَس ، في الفم في أي نقطة كان ذلك الغلق ، يؤدي إلى جريانه من الخياشيم (الأنف) ، وإذا اهتز الوتران الصوتيان في الحنجرة مع جريان النَّفَس من الخياشيم أنتج ذلك صوتاً أنفياً ، هو الغنة في الحقيقة التي تصحب الأصواتَ الغَنَّاء ، ويمكن إنتاج عدد من الأصوات الأنفية بهذه الطريقة ، لكن معظم اللغات لا تعتمد إلا صوتين اثنين من الأصوات الأنفية ، وهما النون والميم ، والميم تصدر بإنطباق الشفتين وخروج النَّفَس من الأنف ، والنون تصدر بوضع طرف اللسان على اللثة ، مع جريان النَّفَس من الأنف.

وهناك أصوات أنفية أخرى يمكن إنتاجها في الجهاز النطقي لكنها ليست من الأصوات اللغوية الرئيسة في بناء كلمات اللغة ، فلو اعترض الناطق النَّفَس بوضع أطراف الثنايا العليا في باطن الشفة السفلى (أي في موضع الفاء) ، وجعله يجري من الأنف ، لأنتج ذلك صوتاً أنفياً ، وكذلك لو اعترض الناطق النَّفَسَ في موضع الجيم ، وأطلقه من الأنف لأنتج ذلك صوتاً أنفياً آخر ، ومثل ذلك يحدث إذا اعترضنا النَّفَسَ في موضع الكاف أو القاف ، أو غيرهما من حروف اللسان ! وهذه هي أصوات الغنة التي تَحْدُثُ عند إخفاء النون الساكنة والتنوين عند الحروف الخمسة عشر.

ولا يخفى عليكم أن التفخيم يتأتى من ارتفاع أقصى اللسان ، ويحدث ذلك في حروف الاستعلاء خاصة ، والترقيق يتأتى من انخفاضه ، ويحدث ذلك مع أصوات طرف اللسان ووسطه ، وما هو أقرب إليه من أقصاه ، وإذا كان اعتراض النفس في الصوت الأنفي من موضع طرف اللسان أو وسطه ، وأقصى اللسان منخفض جاءت الغنة مرققة ، ومن ثم فإن قولكم : (الغنة صفة النون ، والنون مرققة ، فتكون الغنة مرققة)، صحيح بالنسبة إلى غنة النون الأصلية ، لكن ذلك قد لا ينطبق على غنة الإخفاء عند الأصوات المفخمة.

بيان ذلك أن إخفاء النون عند حروف الإطباق الأربعة ، والقاف ، يقتضي وضع اللسان في مخرج هذه الحروف ، وهو متشكل بطريقة يتأتى معها التفخيم الذي يتطلبه الإطباق أو الاستعلاء ، وذلك بتصعد أقصى اللسان إلى الأعلى قليلاً ، مع كون طرفه في موضع الحرف الذي تخفى عنده النون ، وقولكم : (إنه يمكن الإتيان بالغنة مرققة عند إخفاء النون عند هذه الحروف) صحيح ، لكن ذلك يثير إشكالاً سأوضحه في ما يأتي.

أما القاف فيغلب على ظني استحالة الإتيان بغنة الإخفاء معها مرققة ، إلا أن يكون ذلك متكلفاً بشكل ظاهر ، والقراءة تجري على الطبع المستقيم ، وليس على التكلف ، تأمل الإخفاء في : (أَيَّ مُنْقَلب يَنْقَلبون) ، فإنه لا يتأتى مع القاف ترقيق الغنة ، على مذهب من ينطق بالنون المخفاة من مخرج الحرف الذي تخفى عنده ، ولا بد من التفخيم حينئذ.

وأما إخفاء النون عند حروف الإطباق ، خاصة الصاد والظاء والطاء ، فإنه يترجح عندي أن يكون حكمه حكم الإخفاء عند القاف ، أي بالتفخيم ، واعتراضكم على ذلك بالقول : (إنه يمكن الإتيان بغنة الإخفاء مرققة مع هذه الحروف ، وهو أيسر على التالي ، واليسر من وجوه الترجيح المعتبرة عند إمكانه؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) ، اعتراض وجيه ، يلزم الوقوف عنده ، والتسليم له ، أو الإتيان بما ينقضه من الناحية الصوتية ، وليس بما يدل عليه الحديث من الأخذ بالأيسر ، فهذا معنى عام ثابت ، وأصل من أصول الشريعة ، وهو ليس موضع اعتراض!

وقد يكون المثال مفيداً في بيان ضعف القول بإمكانية الإتيان بغنة الإخفاء مرققة مع حروف الإطباق ، فتأمل فضيلة الشيخ في هذين المثالين : (يُنْظَرُونَ) ، و(يُنْذَرُونَ) ، فالراجح عندي أن تكون الغنة مفخمة في الكلمة الأولى ، ومرققة في الكلمة الثانية ، بحسب تفخيم وترقيق الحرف الذي تخفى عنده.

وإذا قلتم : إنه يمكن الإتيان بالغنة مرققة في كلمة : (يُنْظَرُون) ، قلتُ : نعم ، يمكن ذلك ، لكنها تكون حينئذ مثل غنة إخفاء النون عند الذال في : (يُنْذَرُون) ، وقد أتيتم بها مع (يُنْظَرُون) ، ولا بد من فرق بين النطقين ، وذلك بأن تكون غنة الإخفاء مفخمة مع الظاء ، ومرققة مع الذال ، والإتيان بها مرققة مع الظاء ينقض قانون السهولة في النطق ، ويُقَوِّضُ الغرض من الإخفاء ، وهو التناسب بين الأصوات وتحقيق السهولة في النطق.

فالأسهل على الناطق أن يأتي بغنة الإخفاء مفخمة مع حروف الاستعلاء ، ومرققة مع الحروف المستفلة ، لأن الإتيان بغنة الإخفاء مرققة مع الحروف المطبقة خلل في التلاوة ، وإحلال صوت مكان صوت آخر.

ويمكن ملاحظة ذلك في إخفاء غنة (مَنْصُوراً) ، و(يَنْسِلُون) ، و(فانْطَلقاً) ، و(أَنْتُم) ، وما أشبه ذلك من أمثلة ، إن أتى القارئ بغنة الإخفاء مرققة مع الحرف المطبق فإنه يكون قد أتى بغنة نظيره الحرف المرقق ، في كلمة فيها حرف الإخفاء مفخم ، وهو خلل في التلاوة ، وقد يدخل في باب اللحن الخفي !

ولعلي أطلتُ عليك ، فضيلة الشيخ ، لكن قوة اعتراضك تستدعي إطالة الوقفة ، وتقليب النظر ، وهذا ما تيسر ، وأرجو أن تخبرني بمقدار استقامة هذا الكلام ، وكفايته في تحقيق المرام.

والله تعالى ولي التوفيق.

أخوكم غانم قدوري الحمد

القسم: حديث الشهر | التاريخ: 30 مايو, 2018 | 1058 | 1٬241 مشاهدة | لايوجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 2 =