تلحين النحويين للقراء

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، ثم أما بعد:

فلا يزال بعض الباحثين يُثير موضوع طعن النحويين في بعض القراءات الصحيحة ، ويتخذ من ذلك طريقًا للوصول إلى أنَّ النحاة ما فعلوا ذلك إلا لاعتقادهم بأن بعض هذه القراءات اجتهاد من القُرَّاء في ظل رخصة الأحرف السبعة ، فكان ذلك هو المسوّغ في رَدِّ قراءات صحيحة لأسبابٍ تجدها مسطورة في كتبهم. وهذا في نظري فهم قاصر ، واستقراء ناقص لمناهج النحويين ، وقولٌ لا دليل عليه ، فلا تقوم به حجة!

١- القراءة سنة مُتَّبَعة:
إن تاريخ القراءات القرآنية يرجع إلى بداية الإذن بالقراءة بالأحرف السبعة ، وكان الحُكم عند اختلاف الصحابة في القراءات إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يسمع منهم قراءتهم ويقر لهم اختلافهم في النطق ، كما ورد في حادثة عمر مع هشام بن حكيم رضي الله عنهما.
وتدل روايات حديث الأحرف السبعة على توقيفية القراءة وأنه لا مدخل لبشر فيها: ” أقرأني جبريل…” ، ” هكذا أنزلت ” ، ” أن يقرأ كل رجل منكم كما عُلِّم “.
وكان المخالف يقول لصاحبه: ” أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
وعن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال: ” أقرَأني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سورةَ الرَّحمنِ فخرَجْتُ إلى المسجِدِ عشيَّةً فجلَس إليَّ رَهْطٌ فقُلْتُ لِرجُلٍ : اقرَأْ علَيَّ فإذا هو يقرَأُ أحرُفًا لا أقرَؤُها فقُلْتُ : مَن أقرَأكَ ؟ فقال : أقرَأني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فانطلَقْنا حتَّى وقَفْنا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ : اختلَفْنا في قراءتِنا فإذا وجهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيه تغيُّرٌ ووجَد في نفسِه حينَ ذكَرْتُ الاختلافَ فقال : ( إنَّما هلَك مَن قبْلَكم بالاختلافِ ) فأمَر عليًّا فقال : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمُرُكم أنْ يقرَأَ كلُّ رجُلٍ منكم كما عُلِّم فإنَّما أهلَك مَن قبْلَكم الاختلافُ قال : فانطلَقْنا وكلُّ رجُلٍ منَّا يقرَأُ حرفًا لا يقرَأُ صاحبُه ” ، (أخرجه ابن حبان في صحيحه ، كتاب الرقائق – قراءة القرآن ، رقم: ٧٤٧).
وعنه قال: “إني قد سمعتُ إلى القرأَةِ فوجدتُهم متقارِبين ، فاقرءوا كما عُلِّمتُم ، وإياكم والتنطعَ ، فإنما هو كقولِ أحدكم : هَلُمَّ وتَعالَ.” (أخرجه سعيد بن منصور في “سننه” ، كتاب التفسير – فضائل القرآن ، رقم: ٣٤ ) وأبو عبيد في “الفضائل” (ص٣٦١) و “غريب الحديث” (٢/ ٦٤٣) وابن جرير في “تفسيره” (٥٠/١) ).

وعن عمر بن الخطاب قال: ” قراءة القرآن سنة يأخذها الآخر عن الأول” (أخرجه ابن مجاهد في “السبعة” ص٥١).
وعن زيد بن ثابت: ” القراءة سنة” (أخرجه سعيد بن منصور في “سننه” ، كتاب التفسير – فضائل القرآن ، رقم: ٦٧ ، وأبو عبيد في ” الفضائل” ص٣٦١ ، والبيهقي في “سننه الكبرى” كتاب الصلاة – وجوب القراءة على ما نزل من الأحرف السبعة ، رقم: ٤٠٦٣)
وعن عروة بن الزبير، قال: ” إن قراءة القرآن سنة من السنن ، فاقرؤوه كما أُقرىٔتموه ” (أخرجه أبو عبيد في ” الفضائل” ص٣٦١ ، وابن مجاهد في “السبعة” ص٥٢).
والروايات كثيرة في هذا الباب.

٢- أسباب تلحين النحويين للقراء:
لعل من أهم هذه الأسباب وأبرزها الخلاف المنهجي بين الفريقين ، فالقراء يعتمدون على الرواية والتلقي والسماع ، والنحويون يعتمدون على السماع والقياس.
والمقصود بالسماع عند النحويين الأخذ عن الرواة ممن كان يُعد مصدرًا من مصادر اللغة والشعر ، ومشافهة الأعراب ، والسماع منهم والرحلة اليهم ، وسؤال وفودهم إلى الحاضرة.
وكان النحاة قد وضعوا قواعدهم على الشاىٔع الكثير من كلام العرب ، وأما القليل النادر فيُحفظ ولا يقاس عليه.

هل انتهى إلى النحويين جميع ما قالته العرب؟ وهل أحاطوا علما بجميع مرويات العرب؟
قال ابن سلام الجمحي (طبقات فحول الشعراء ٢٥/١) :
” قال أبو عمرو بن العلاء ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير “.
وقال ابن فارس (الصاحبي في فقه اللغة العربية ، ص٢٤) :
“قال بعض الفقهاء: كلام العرب لا يحيط به إلا نبي ، وهذا كلام حَرِيٌّ أن يكون صحيحًا ، وما بلغنا أن أحدًا ممن مضى ادعى حفظ اللغة كلها “.

٣- كيف كان النحويون يَحْكُمون على القراءات؟
• كان النحويون يحتكمون إلى قواعدهم وأقيستهم النحوية في الحكم على القراءات ، مع أن القرآن سابق لقواعدهم وأقيستهم.
• وكان بعضهم ينظر إلى الشاىٔع من اللغات ويغفل عن غيرها.
• وقد يخفى توجيه القراءة على بعض النحويين ، فيسارع إلى تلحينها.
• يرى بعض النحويين أن القراء بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الوهم والخطأ والنسيان.

فالذي يظهر لي أنّ طعن بعض النحويين في بعض القراءات محمولٌ على:
١- أن القراءة لم تثبت لديه ، فلا يكون إنكارها إلا قبل أن يبلغه تواترها أو صحة سندها (ينظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام ، ص١٩٦).
٢- أو لأن الذي طعن في القراءة غلب على ظنه أنها خطأ بسبب قلة ضبط الرواي أو وهمه ، ومما يدل على ذلك أن أبا عمرو بن العلاء أنكر قراءة الفتح في قوله تعالى (فيومئذ لا يُعَذِّبُ عذابه أحد) ، فقيل له: كيف وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُعَذَّبُ بفتح الذال؟
قال أبو عمرو: لو سمعتُ الرجل الذي قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم ما أخذته عنه!
وتدري لم ذاك؟ لأني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة (يُنظر: جمال القراء ٥٦٩/٢).
والشاهد قوله ” لأني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة “.
وأبو عمرو هو الذي كان يقول (سير أعلام النبلاء ٤٠٨/٦) :
” ولولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما قُرئ لقرأتُ كذا وكذا ، وذَكَرَ حروفًا ”
قال السخاوي (جمال القراء ٥٦٩/٢) :
” وقراءة الفتح ثابتة أيضا بالتواتر، وقد يتواتر الخبر عند قوم دون قوم “.

٤- أمثلة من تلحين النحويين للقراء:
لعلنا نذكر بعض الأمثلة من كتاب معاني القرآن وإعرابه للفراء ، لأنه يُعَدُّ من أقدم النحويين الذي طعنوا في بعض القراءات طعنًا صريحًا لا ريب فيه! ولأنه جمع في كتابه بين أمرين متناقضَيْن – في الظاهر – ، فالفراء نَقَدَ القراءات ودافع عنها كذلك في مُصنَّفٍ واحد!
وسأسوق بعض الأمثلة كذلك لِنَحويِّين آخرين من المتقدمين ممن طعن في القراءات طعنًا صريحًا لا يحتمل التأويل.

قال الفراء في قراءة حمزة (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) ، بجر الأرحام ( معاني القرآن ٢٥٢/١) :
” وفيه قبح لأن العرب لا تردُّ مخفوضًا على مخفوض وقد كنى عَنْهُ…وإنما يجوز هذا فِي الشعر لضيقه “.
وكان المبرد ممن بالغ في إنكار هذه القراءة والطعن فيها ، حيث نقل القرطبي عن الفارسي (الجامع لأحكام القرآن ٩/٦) :
” أن أبا العباس المبرد قال: لو صليتُ خلف إمام يقرأ…(واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) لأخذت نعلي ومضيت !”.
وقال الفراء في قراءة (بمصرخي) بكسر الياء (معاني القرآن ٧٥/٢) :
” ولعلها من وَهْم القراء طبقة يَحْيَى فإنه قل من سلم منهم من الوهم ، ولعله ظَنَّ أن الباء فِي (بِمصرخي) خافضة للحرف كله ، والياء من المتكلم خارجة من ذلك “.
وقال (معاني القرآن ٨١/٢) :
” وليس قول من قال (مخلف وعده رسلِهِ) ولا (زُين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) بشيء “.
وقال المبرد (المقتضب ١٣٤/٢) :
” وأما قراءة من قرأ (ثم ليقطع فلينظر) فإن الإسكان في لام (فلينظر) جيد ، وفي لام {ليقطع} لحن ، لأن ثم منفصلة من الكلمة ، وقد قرأ بذلك يعقوب بن إسحاق الحضرمي”.
وقال الزجاج (معاني القرآن وإعرابه ٣٩٨/١) :
” وقوله جل وعز: (يغفر لكم ذنوبكم). القراءة بإظهار الراء مع اللام ، وزعم بعض النحويين أن الراء تدغم مع اللام فيجوز (ويغفر لَّكم) ، وهذا خطأ فاحش ولا أعلم أحدًا قرأ به غير أبي عمرو بن العلاء “.

قد يُفهم من هذا النقد كله أنه لو لم يقع الاجتهاد في القراءات لَمَا انتقد الفراء وغير الفراء هذه القراءات وطعنوا فيها!
والحق أن الأمر ليس كذلك! فالفراء نفسه يقول (معاني القرآن ٧٨/٢) :
” فلو قرأ قارىٔ (وأَجْنِبْنِي وَبَنِيَّ) لأصاب ، ولم أسمعه من قارىٔ “.
ويقول (معاني القرآن ٢٢٣/١) :
” والقراء لا تقرأ بكل ما يجوز في العربية…”.
وقد قال سيبويه قديما (الكتاب ١٤٨/١) :
” إلا أن القراءة لا تخالَف ، لأن القراءة السُّنَّة “.
وقال الزجاج (معاني القرآن ٢٩٨/٤) :
” ويجوز (بزينةٍ الكواكبُ) ، ولا أَعْلَمُ أَحَداً قرأ بها ، فلا تقرأن بها إلا إن ثبتت بها رواية ، لأن القراءة سنة “.
وما أجمل قول أبي عمرو الداني (جامع البيان ٨٦٠/٢) :
” وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة ، والأقيس في العربية ، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل ، والرواية إذا ثبتت لا يردها قياس عربية ولا فشو لغة ، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها “.

والخلاصة ، أن القراءة سنة يأخذها الآخِر عن الأول ، وأن القراءات الصحيحة الثابتة حجة على النحو ، وليس النحو بحجة عليها ، وليس كل ما جاز لغة جاز قراءة.

والله أعلم.
عمار الخطيب

القسم: مقالات | التاريخ: 3 يناير, 2019 | 1097 | 183 مشاهدة | لايوجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 3 =