دعوى تخطئة القراء

يشير بعض الباحثين إلى أن المشتغلين بعلم الأصوات يُخَطِّئُون القراء ، وأنهم يصفون الأصوات بغير ما وصفها به القراء ، وهذه المقولة ليست دقيقة ، وتنم عن خلط في فهم جوانب الموضوع ، وسوف أبدأ أولاً بتحديد المقصود بكلمة القراء ، ثم أنتقل إلى مناقشة الجزء الثاني من القضية ، وهو دعوى تخطئة المشتغلين في علم الأصوات لهم ، ومخالفتهم لهم في وصف عدد من الأصوات.
لكلمة القُرَّاء دلالتان ، الأولى : أصحاب القراءات الصحيحة وغيرها ، مثل القراء السبعة ، والثلاثة المكملين لهم عشرة ، ثم قراء الشواذ ، والدلالة الثانية : علماء القراءة ممن يروي القراءات ، ويؤلف فيها أو حولها .
وأحسب أن الذين يقولون إن المشتغلين بعلم الأصوات ( وهم يريدون المؤلفين في علم أصوات العربية) يُخَطِّئُون القراء لا يقصدون أنهم يخطئون القراء العشرة أصحاب القراءات الصحيحة ، أو حتى قراء الشواذ ، فهؤلاء القراء لم يُؤْثَرْ عنهم وصف الأصوات بجهر أو همس أو غير ذلك ، وإنما رُوِيَتْ عنهم القراءة ، وجاء وصف الأصوات لاحقاً على يد اللغويين ، ثم علماء التجويد.
ولا يخفى عليكم أن من علماء السلف من ضَعَّفَ بعض قراءات السبعة ، مثل تضعيف النحويين قراءة حمزة (والأرحامِ) و(مصرخيِّ) ، وتضعيفهم قراءة ابن عامر ( قَتْلُ أولادَهُم شركائِهم) ، ووصل الأمر أن بعض المؤلفين في توجيه القراءات وتعليلها شارك في ذلك التضعيف ، ورد عليهم العلماء من القراء وبعض أهل اللغة ، واحتجوا لتك القراءات بما يبعد عنها شبهة الضعف من حيث اللغة ، ولكن لم يصل الأمر بهم حد إعلان البراءة من هؤلاء العلماء ومن مؤلفاتهم ، وإنكار فضلهم .
وإذا كان أصحاب دعوى تخطئة أهل الأصوات للقراء لا يقصدون تخطئة القراء العشرة ، وإنما يقصدون من جاء بعدهم من العلماء الذين لهم مؤلفات في القراءات أو علم التجويد ، فإن الأمر يسهل ، لأننا نكون قد ابتعدنا عن شبهة رد القراءات الصحيحة أو الطعن فيها ، أما المؤلفون في القراءات والتجويد فلا أحد من علماء الأمة ادعى العصمة لهم ، ولا هم ادعوا ذلك ، ومن يقرأ في كتب القوم يرى تخطئة بعضهم بعضاً ، ورد بعضهم على بعض ، وهو أمر محمود ما دام في حدود ما يدل عليه الدليل ، وهو من الجدال الحسن الذي يُثْرِي الفكر ، ويكشف عن الحقائق ، ويُنَمِّي العلم .
ودعوى تخطئة أهل الأصوات للقراء المزعومة تتركز حول وصف المتقدمين للطاء والقاف بالجهر ، ووصف المحدثين لهما بالهمس ، ويَلْحَقُ بذلك وصف الهمزة بالجهر ، ووصف بعض المحدثين لها بالهمس ، وبعضهم يسلب عنها الصفتين ، وللضاد مكان في هذا الجدل من حيث المخرج والصفة ، كما هو معروف ، وحَشْرُ الجيم مع الأصوات المختلَف فيها بين المتقدمين والمحدثين لا معنى له ، فالجيم صوت شديد ، فيها لاحقة من الرخاوة لا تخرجه عن صفة الشدة ، ومن ثم لن أعرج على الخلاف حوله ، وسبق لي مناقشة قضية هذه الأصوات في كتابي ( الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ) و ( المدخل إلى علم أصوات العربية ) ، وفي بعض الأبحاث ، وأحسب أن الإخوة المحاورين لا يكتفون بالإحالة إلى تلك الكتب والأبحاث ، فلعلهم قد اطلعوا على ما فيها ولم يشف غليلهم ، ولم تُزِلْ عن عقولهم ما علق فيها من دعوى تخطئة المشتغلين بالأصوات للقراء ، وسوف أحاول هنا التركيز على بيان أبعاد هذه القضية ، لأنها في تقديري لا تندرج في قضية التخطئة ، وإنما تدور حول تفسير مشكلة صوتية تتعلق بهذه الأصوات ، وسأناقش قضية كل حرف على حدة ، من غير تطرق إلى حرف الجيم ، لأنه في تقديري خارج موضوع الحوار.
الطاء : صوت أسناني لثوي ، شديد ، مطبق ، واخْتُلِفَ في وصفه بالهمس والجهر ، فالمتقدمون من علماء العربية والتجويد ، وتابعهم كثير من المشتغلين بعلم التجويد اليوم – يصفونه بالجهر ، ورائدهم في ذلك سيبويه ، جميعاً ، والمحدثون من المشتغلين بعلم الأصوات خاصة يصفونه بالهمس ، بناء على مقياسهم للجهر والهمس ، وهو اهتزاز الوتريين الصوتيين في الجهر ، وعدمه في الهمس ، فالطاء صوت مهموس لعدم اهتزاز الوترين عند النطق به.
ولم يسارع المشتغلون بعلم الأصوات إلى تخطئة سيبويه في وصفه الطاء بالجهر ، وإنما تساءلوا : هل مقياس سيبويه للجهر هو عين مقياسهم ، ورجح أكثرهم أنه يريد بالمجهور ما أراد به المحدثون ، بدليل إشارته إلى أن المجهور يُشْرَبُ صوت الصدر ، ولم يكن سيبويه على علم بالوترين الصوتيين ، لكنه أحس بأثرهما على الأصوات ، ولا يخفى أن صياغته لتعريف الجهر في باب الإدغام خلت من الإشارة إلى صوت الصدر الذي صرح به في باب الوقف ، ونقله عنه تلميذه الأخفش حين سأله عن الفرق بين المجهور والمهموس ، كما هو مبين في شرح السيرافي للكتاب.
وبناء على ذلك بحث المشتغلون بعلم الأصوات في السبب الذي جعل سيبويه يصف الطاء والقاف والهمزة بالجهر ، وذكر بعضهم ثلاثة احتمالات لذلك، الأول : أن الطاء كان مجهوراً في زمن سيبويه ، ثم تحول مهموساً في وقت لاحق ، والثاني : أن سيبويه وصف صورة لهجية لنطق الطاء كانت مجهورة في زمانه . والثالث : أن سيبويه أخطأ في وصف الطاء بالجهر ، وأنه كان ولا يزاال مهموساً.
وإذا كان الأمر كذلك فهل يصح أن يقال : إن المشتغلين بعلم الأصوات خَطَّؤُوا سيبويه ، ومن تابعه من علماء العربية والتجويد ، الجواب : اللهم لا ، ثم هل يصح أن يقال : إنهم خَطَّؤُوا القراء ، الجواب : لا أيضاً ، فالجميع يسمع تلاوة القراء أهل الرواية والأداء ينطقون الطاء ، ويتخذها مقياساً لأصوات العربية الفصحى ، لكن أهل الأصوات يقولون إن الطاء في الأداء اليوم صوت مهموس ، والسائرون على خطى سيبويه اليوم يقولون إنه مجهور ، تقليداً لسيبويه ، فأهل الأصوات لا ينكرون نطق القراء لصوت الطاء ، ولا يَدْعُون إلى تغييره ، وإنما ناقشوا قضية أثارها وصف لسيبويه لهذا الصوت ، وأرجو أن يكون إخواننا المحاورون لنا قد وعوا أبعاد القضية ، وأن يكفوا عن ترديد تهمة تخطئة المشتغلين بالأصوات للقراء ، ولا يُغَيِّرُ من الموضوع شيئاً القول إن أول من ذكر هذه القضية هو المستشرق الألماني برجستراسر ، فلولا أن ما ذكره كان صواباً لما وجد المتابعة من الدارسين العرب اللاحقين.
وكان سيبويه قد قال وهو يتحدث عن صفة الإطباق : ( ولولا الإطباق لصارت الطاء دالاً ) وذلك يعني أن الطاء صوت مجهور عنده ، وأنا أدعو المحاورين إلى أن يجردوا الطاء من صفة الإطباق وينظروا إلى الصوت الذي ستؤول إليه : هل هو الدال أو التاء ؟ إذا : قالوا الدال ، قلنا : لهم جردوا صفة الإطباق عن الضاد وستجدون أنها ستؤول إلى الدال ، وتكونون قد أخطأتم في الجواب ، فإن قالوا : إذا جردنا الإطباق عن الطاء التي ينطقها القراء اليوم آلت إلى التاء ، قلنا : قد وافقتهم أهل الأصوات القائلين إن الطاء مهموسة ! وهل ستصفون أنفسكم حينئذ بأنكم قد خَطَّأتم القراء؟ وإذا أبيتم إلا التمسك بقولكم القديم المتناقض فلكم ذلك ، لكن لا تلزموا غيركم به.
وكنت قد استشهدت في بعض ما كتبتُ سابقاً عن الطاء والضاد بنطق بعض أهل اليمن للطاء مجهورة ، مثل نطق قراء القرآن من أهل مصر والشام للضاد ، ولم أقصد إلا إلى لفت الأنظار إلى أن ما قاله سيبويه عن الطاء ينطبق على هذا النطق ، وليس دعوة إلى تغيير النطق ، وقد أكد الإخوة المحاورون من اليمن أن ذلك النطق شائع في منطقة صنعاء.
وإذا فرغنا من قضية الطاء ، واتفقنا على أن أهل الأصوات لم يُخَطِئُوا القراء وإنما اختلفوا مع من وصفها بالجهر من علماء السلف ، وذلك بناء على معطيات علم الأصوات اليوم ، فإنه يمكن تناول قضية القاف ثم الهمزة والضاد.
القاف : صوت أقصى حنكي ، شديد ، مستعل ، وَصَفَهُ سيبويه بالجهر ، وتابعه على ذلك الوصف علماء العربية والتجويد المتقدمون ، ووصفه أهل الأصوات بأنه صوت مهموس ، بناء على فقدان اهتزاز الوترين الصوتيين عند النطق به ، وترد الاحتمالات الثلاث التي أشرت إليها عند الحديث عن تفسير وصف سيبويه الطاء بالجهر ، واستبعدت في أبحاثي السابقة أن يكون سيبويه حين وصف القاف بالجهر أنه كان يصف صوتاً آخر غير القاف التي ينطقها مجيدو القراءة في زماننا ، ولا أجد ضرورة للإطالة في الحديث عن القاف إذا كانت معالجتي لقضية الطاء المتقدمة قد وَفَّتِ الموضوع حقه.
الهمزة : صوت حنجري ، شديد ، وصفه سيبويه بالجهر ، وتابعه في ذلك علماء العربية والتجويد ، واختلف المحدثون في وصفه ، ليس لاضطراب منهجهم ، ولكن لأن طبيعة إنتاج الهمزة حملتهم على ذلك الاختلاف ، فمخرج الهمزة من بين الوترين الصوتيين بانطباقهما ، وحصر النفس ثم إطلاقه بالمباعدة بين الوترين ، وأنت ترى أنه لم يحدث اهتزاز للوترين في عملية إنتاج صوت الهمزة ، فلم يتأت وصف الهمزة بالجهر ، لكن من الدارسين للأصوات من وصف الهمزة بالهمس لعدم ذبذبة الوترين ، ونفى بعضهم كلا الصفتين عنها ، لأن الهمس ينتج من مرور النفس من خلال الوترين وهما متباعدان ، ولا يحدث ذلك عند نطق الهمزة، ولا ينم ذلك عن اضطراب ، وليس فيه تخطئة للقراء ، فهذه الهمزة التي ينطقها القراء اليوم هي التي وصفها سيبويه بالجهر ، ولهذا الوصف تعليلات لا أجد ضرورة لذكرها هنا ، وهي الهمزة التي وصفها بعض المحدثين بالهمس ، ووصفها آخرون بأنها لا مجهورة ولا مهموسة .
الضاد : صوت حافِيٌّ ، رخو ، مجهور ، مطبق ، مستطيل ، عند سيبويه ، واشتهر بصعوبة نطقه ، وكان قد تغير على ألسنة الناطقين بالعربية منذ وقت مبكر ، وحَذَّرَ علماء القراءة من الإخلال بنطقه ، وقد أُلِّفَتْ رسائل حول الضاد ، بعضها معجمات تجمع الألفاظ الظائية والضادية ، وبعضها مباحث عن الصورة المثلى لنطقه ، وورث المحدثون من أهل الأداء وأهل الأصوات ذلك التاريخ لصوت الضاد ، وانتصر فريق لهذا النطق وفريق لذاك ، ولا يتسع المقام للخوض في تفصيلات هذا الموضوع ، ولعل أهل الأصوات بُرَآءُ من اختلاق مشكلة الضاد ، فهي قديمة يتداولها أهل القراءة وأهل العربية .
وإذا كانت لي من كلمة أقولها في هذا المجال فهي أن على أهل الأداء التمسك بما تلقوه عن شيوخهم في نطق الضاد ، ولا بأس من النقاش بعد ذلك في الجوانب التاريخية للمشكلة . وأود الإشارة إلى أن بعض المتحدثين عن الضاد يُخْطِئُ في تفسير تحديد سيبويه لمخرج الضاد في قوله : ( من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس) فيحمل أول الحافة على طرف اللسان ، وهو تفسير غير صحيح ، فالحافة هي جانب اللسان ، وأولها هو الجزء الذي يقابل الأضراس من جهة أقصى اللسان ، وورد مثل ذلك التفسير للحافة في بعض مشاركات هذا الحوار ، وقرأته في بعض الكتابات عن الضاد من قبل ، ويؤدي ذلك إلى أحكام مخطوءة في موضوع الضاد.
آمل أني قد تمكنت من توضيح وجهة نظري في الموضوع ، وهي وجهة نظر يشاركني فيها ، وسبقني إليها ، كثير من المشتغلين بعلم الأصوات ، والاختلافات التي شرحتها حول الأصوات الأربعة تنبني على أسس موضوعية ، وليست من باب تصيد الذرائع للطعن على أحد ، وليس من يدعي الانتصار للقراء بأحرص من غيره على الحفاظ على القراءة سليمة من التحريف ، محفوظة من تلاعب أهل الأهواء ، وللقراء قدماء ومعاصرين فضلهم في حفظ نص القرآن الكريم ، وحمل رسالته عبر هذه القرون ، وحفاظهم على النطق العربي الفصيح بعيداً عن ظواهر اللحن والعجمة. والله أعلم.

القسم: مقالات | التاريخ: 5 يونيو, 2014 | 307 | 2٬065 مشاهدة | لايوجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة − 3 =