صفة الهمس في الأداء القرآني المعاصر

كلمة (الهَمْس) مصطلح صوتي يعرفه المشتغلون بعلم الأصوات اللغوية ، وبتجويد قراءة القرآن الكريم ، وهو المقابل لمصطلح (الجهر) ، ولدينا الآن تعريفان للمصطلحين : قديم وحديث ، فالتعريف القديم وَضَعَهُ سيبويه في الكتاب ، وهو قوله: “فالمجهورة: حرفٌ أُشْبِعَ الاعتماد في موضعه، ومَنَعَ النَّفَسَ أن يجري معه حتى يَنْقَضِيَ الاعتماد عليه ويَجْرِيَ الصوتُ …

وأما المهموس فحرفٌ أُضْعِفَ الاعتمادُ في موضعهِ حتى جَرَى النَّفَس معه”.

والتعريف الحديث : ” المجهور هو الصوت الذي يهتز الوتران الصوتيان عند النطق به ، والمهموس هو الذي لا يهتز الوتران الصوتيان عند النطق به”.

وقد أفاض الدارسون من الفريقين : أهل الأصوات وأهل التجويد ، في البحث في هذين التعريفين ، وبيان العلاقة بينهما ، وما يترتب عليهما في تحديد الأصوات المجهورة والمهموسة في العربية ، بما لا يحتاج إلى مزيد بيان ، لكن الذي حملني على الكتابة في الموضوع هو أني لاحظت انحرافاً في أداء بعض المشتغلين بالتلاوة في نطق عدد من الأصوات المهموسة ، ويبدو لي أن ذلك الانحراف تَرَتَّبَ على عدم الدقة في فهم تعريف سيبويه للمهموس ، والخلط بينه وبين تعريف الشديد ، ويتمثل ذلك الانحراف في أمرين :

الأول : الاعتقاد بأن الهمس يحصل في مخرج الحرف.

والآخر : الاعتقاد بوجود تعارض بين جريان النَّفَس في المهوس ، وحَبْسِ الصوت في الشديد ، الوارد في تعريف سيبويه ، وتتجلى المشكلة في صوتي الكاف والتاء خاصة ، لأنهما شديدان ، يمنعان الصوت من الجريان ، ومهموسان يجري معهما النَّفَس.

واجتهد بعض أهل الأداء في زماننا في تحقيق حبس الصوت ، وجريان النفس في الكاف والتاء ، خاصة عندما يكونان ساكنين ، وذلك بالتلبث عند السكون ، لتحقيق حبس الصوت ، ثم إتباع السكون بنفخ لتحقيق جريان النفس ، فيظهر الصوت بلاحقة صوتية غريبة ، وذلك عند الوقف على مثل (صَدْرَكْ ، وِزْرَكْ ، ظَهْرَكْ ، ذِكْرَكْ) في سورة الشرح ، و(البَيْتْ) في سورة قريش ، وقد تكرر سماعي ذلك كثيراً ، واستفسرت عنه أكثر من مرة ، فيكون الجواب : إن ذلك ضروري لتحقيق صفة الهمس ، ولَخَّصَ أحدهم القضية بوصيةِ مُعَلِّمِهِ له بأَنْ يُحَقِّقَ السكون أولاً ، ثم يأتي بالهمس.

ولم يتوقف الأمر عند النطق بالكاف والتاء ، بل تجاوزه إلى النطق بالحروف الرخوة المهموسة أيضاً ، مثل : الفاء والسين والشين ، عند الوقف خاصة ، كما في مثل : (قريشْ ، والصيفْ ، خَوْفْ) في سورة قريش ، ومثل (الناسْ ، الخناسْ) في سورة الناس ، فنجد القارئ يبالغ في النطق بهذه الأصوات عند الوقف عليها ، لتحقيق صفة الهمس في ظنه ، وهو في الواقع يبالغ في النطق بشدة الحرف الشديد ، وبرخاوته الحرف الرخو ، حتى يُسْمَعَ صُوَيْتٌ زائد يلحق كلا النوعين.

وأَدَّى ذلك التصور غير الدقيق لحقيقة صفة الهمس في تلك الحروف ، ومحاولة تحقيقها ، إلى التساؤل : هل يلزم إظهار صفة الهمس عند تَحَرُّكِ الحرف ، وصرَّح البعض بعدم الحاجة إلى إظهار صفة الهمس عند تحرك الحرف ، لأن الحركة تمنع من ذلك. وكل ذلك غير صحيح ، لأن صفة الهمس لا تنفك عن الحرف ساكناً كان أو متحركاً ، إلا إذا أدغم في حرف مجهور فإنه يفقد صفة الهمس حينئذ.

وما ذكرته من محاولة بعض أهل الأداء في زماننا المبالغة في نطق الحروف المهموسة ، خاصة الساكنة أو الموقوف عليها ، لتحقيق صفة الهمس بزعمهم ، أمر حادث وتَكَلُّفٌ يؤدي إلى الذهاب برونق القراءة ، ويزيد على نطق الحروف ما ليس فيها أصلاً ، وهو مبني على تصور غير صحيح أو غير دقيق لصفة الهمس ، وينبغي العمل على وضع حد لهذا التجاوز بتصحيح الفهم أولاً ، وتعديل النطق ثانياً.

أَوَّلاً : تصحيح الفهم ، وذلك بالاعتقاد بأن صفة الجهر والهمس تحصل في الحنجرة وليس في المخرج ، وهو ما لا يتعارض مع تعريف سيبويه للمجهور والمهموس ، ولا يتعارض حينئذ اجتماع صفتي الهمس والشدة في الحرف ، فالشدة والرخاوة موضعهما المخرج ، والجهر والهمس موضعهما الحنجرة ، ويمكن تحقيق نطق الكاف والتاء شديدين ومهموسين في الوقت نفسه من غير حاجة إلى ذلك النفخ أو اللاحقة التي تُنْطَقُ بعد سكون الحرف.(وقد ناقشت العلاقة بين الجهر والهمس ، والشدة والرخاوة في بحث : فكرة الصوت الساذج وأثرها في الدرس الصوتي العربي ، وهو منشور في مجلة الإمام الشاطبي (العدد الرابع ص 187-256) ، وفي كتاب : أبحاث جديدة في علم الأصوات والتجويد ، ص77-125 ، لمن يرغب بالوقوف على التفاصيل).

ثانياً : تصحيح النطق ، وذلك بنطق الحروف المهموسة ، سواء كانت شديدة أو رخوة ، متحركة أو ساكنة ، من غير تكلف ، ومن غير إطالة الصوت بالمهموس الرخو ، ولا زيادة لاحقة من النَّفَس بالشديد المهموس ، بحجة تحقيق صفة الهمس ، فهذه الصفة متحققة بمجرد النطق بالحرف ومرورِ النَّفَسِ بالحنجرة من غير اهتزاز للوترين ، ولا داعي للقلق من احتمال الإخلال بالقراءة ، والإجحاف بصفة الحرف.

فإذا وقف القارئ على كلمة (البيتْ) من غير نفخ زائد ، فقد تحققت صفة الهمس ، إلا إذا قال (البَيْدْ) فإن التاء فَقَدَتْ صفة الهمس حينئذ ، وصار الحرف مجهوراً ، وانقلب دالاً ، وهو النظير المجهور للتاء ، وكذلك الوقف على كلمة (الناسْ) ، إلا إذا صارت (النازْ) فيكون القارئ قد فرَّط حينئذ بصفة الهمس ، بلحوق صفة الجهر بالحرف ، وتحوله إلى زاي ، وهو النظير المجهور للسين.

وخلاصة ما أدعو إليه في هذه المقالة هو إزالة اللبس في فهم حقيقة صفة الهمس ، وعدم الركون إلى عبارات بعض الكتب المتأخرة التي تؤدي إلى توهم التعارض بين همس الحرف وشدته.

وإذا تحقق الفهم الصحيح لصفة الهمس فينبغي الحرص على النطق بالحروف المهموسة من غير تكلف يؤدي إلى زيادة صوت يلحق الصوت المهموس ، بحجة الحفاظ على صفة الهمس فيه ، فهذه الصفة موضعها الحنجرة وليس مخرج الحرف.

والله تعالى أعلم ، وهو ولي التوفيق

القسم: حديث الشهر | التاريخ: 2 يناير, 2017 | 850 | 2٬279 مشاهدة | 2 تعليقان

تعليقان على “صفة الهمس في الأداء القرآني المعاصر

  1. علي المالكي

    أنا أوافق الدكتور غانما في اختيار تعريف الهمس بأنه عدم اهتزاز الأوتار، والجهرِ بضد ذلك، ولكن أنا فهمت من كلام الدكتور -وفقه الله- أننا عندما ننطق التاء والكاف لا نسمح للنفس المحصور خلف المخرج بالخروج، وإنما نكبِتُه ونجعله محبوسا داخل الفم من غير أن يخرج، فبذلك يخرج مع نطق الحرف التالي للكاف أو التاء.
    ولا يخفى أننا لا بد أن نجعل معتمدَنا في وضع الأسس والقواعد التجويدية هو التلقي، ونحن إذا ما تأملنا عبارات سيبويه وغيره من علماء التجويد لوجدنا أن ترك النفس المحصور يخرج أمرٌ موجود في القراءة، بدليل أنهم جعلوا هذا العمل هو البديل عن القلقلة في هذه الحروف للتخلص مما فيها من الشدة.
    أنا لا أقول بالتكلف والمبالغة في إخراج ذلك النفس، وإنما أقول بجعله يخرج بطريقة سلسة كما تلقينا عن مشايخنا من أقطار مختلفة ومدارس مختلفة.
    فأرجو من أستاذنا أن يعيد النظر في كلامي وفي الناحية التي أشرتُ إليها.
    والله الموفق.

    رد
  2. حسان

    بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
    فالله المسؤولُ المرجو الإجابة أن يُحسن إليك في الدنيا والآخرة، وينفع بك، ويجعلك مباركا أينما كانت.
    وأود أن أنقل لكم بعض الملاحظات على حديثكم عن “صفة الهمس في الأداء القرآني المعاصر”، فقد رأيت أنك مهتم بالموضوع ومعتن به عناية كبيرة، عسى أن تجدوا فيها ما يوضح جانبا من الموضوع أو أجد عندكم ما يُجلِّي اللبس عن هذه الموضوع.
    ومن تلك الملاحظات:
    (1) القول بأنَّ صفة الجهر والهمس تحصل في الحنجرة وليس في المخرج يُخالِفُ تعريف سيبويه، إذ قال أنَّ المجهور: «حرفٌ أُشْبِعَ الاعتماد في موضعه…، وأما المهموس فحرفٌ أُضْعِفَ الاعتمادُ في موضعه…»؛ أي: في مَخرَجه.
    ولفهم كلامه بالرجوع إلى علماء القرَّاء الذين أخذوا عنه هذا التعريف وزادوه توضيحًا وبيانًا (لا تحريفًا)؛ كفِيلٌ برفع الإشكال عن هذه الاصطلاحات، فما كانوا لينقلوها دون أن يكون لهم عِلْمٌ بمعانيها.
    وأكتفي منهم بما قاله الشيخ المرصفي في كتابه (هداية القاري)، حيث قال في تعريف المهموس أنَّه: «ضُعْفُ التَّصْوِيتِ بالحرف؛ لِضُعْفِ الاعتماد عليه في المخرج حتى جَرَى النَّفَسُ معه»، وأما في المجهور فقال: «قُوَّةُ التَّصْوِيتِ بالحرف؛ لِقُوَّةِ الاعتماد عليه في المخرج حتى مَنَعَ جَرَيَانَ النَّفَسِ معه».
    وقد احتوى تعرفه ثلاثة أمور:
    1- ضُعْفُ (وفي المجهور: قوّة) التَّصْوِيتِ بالحرف.
    2- ضُعْفِ (وفي المجهور: قوَّة) الاعتماد عليه في المخرج.
    3- جَرَيان (وفي المجهور: منع جريان) النَّفَسُ معه.
    أما الأمر الأول والثالث -والذي أشكَل على الكثير- فيُعتَبر نتيجةً للهمس والجهر، ويُمكن توضيحه على نحو ما لي:
    فمعنى قولهم: «جري النفس مع الحرف»؛ أنَّك إذا اعتبرت الحرف بأن تُردِّده وتأتيَ به مُتحرِّكًا أو تُتْبِعَه أحد حروف اللِّين، كقولك: سَسَسَ، كَكَكَ، سَاسَاسَا، كَاكَاكَا؛ لأمْكَنَك ذلك مع جَرْيِ النَّفَس، وتجدُ الصَّوتَ يَضعُفُ لأجل ذلك.
    بخلافه في المجهور، الذي «مَنع جري النفس معه»، كقولك: قَقَقَ، قَاقَاقَا؛ فإنَّك لا تقدِرُ عليه مع جَريِ النَّفَس، وتَجِدُ الصَّوتَ يَقْوَى لامتناع جريان النَّفَس معه، ولهذا قيل: إنَّ المهموس ما خَفِيَ، والمجهور ما أُعلِنَ به. [ينظر: «الكتاب» لسيبويه (4/434)، «الموضح» للقرطبي (ص 88-89)].
    والذي يَهمُّنا هو كيف يُمكِنُ هَمْسُ الحرف أو جَهْرُه عَملِيًّا، والذي عَبَّرُوا عنه بـ: «ضُعف الاعتماد» و «قوَّة الاعتماد».
    أمَّا قولهم: «ضُعف الاعتماد عليه في المخرج» أو «حرف أُضعِف الاعتماد في موضعه»؛ فمعناه: قِلَّةُ الضَّغطِ على المخرج.
    وأمَّا قولهم: «قُوَّة الاعتماد عليه في المخرج» أو «حرف أُشبِع الاعتماد في موضعه»؛ فمعناه: قوَّةُ الضغط على المخرج.
    وهذه نُكتةٌ لا تكادُ توجدُ في كتاب، وهي مِنَ الفوائد التي لا تزال تؤخذ إلَّا مشافهةً.
    (2) ما ذهب إليه دارسوا الأصوات المحدثين مِنْ أنَّ الهمسَ هو الصَّوتُ الذي لا يهتزُّ معه الوتران الصوتيان عند النطق به، والجهرَ هو الصَّوتُ الذي يهتزُّ معه الوتران الصوتيان عند النطق به؛ فهو -وإنْ كان مبنيًّا على حقائقَ علميَّةٍ مؤكَّدةٍ- خطأ مردود عليه من وجهين:
    الأول: أن هذا التعريف لا يفيدُ الطالبَ شيئًا؛ لأنَّهُ لا يُمكِنُه التَّحكمُ في اهتزاز الوترين.
    والثاني: إثباتُهم أنَّ الطاء والقاف من المهموسة وأنها ممّا يهتزُّ معها الوتران؛ يدُلُّ دلالةً واضحةً أنَّ العلماءَ الأوائلَ لم يَلْتَفِتُوا إلى عَمَلِ الوترين، ولم يَبْنُوا تعريفَهم على أساسِهِ، بل على ما يُمْكِنُ للطالب الإتيانُ به، وتحسينُ الأداء مِنْ خِلالِهِ.
    ومُحاولةُ فَهْمِ كلامِ العلماء أَولى مِن تخطِئتِهم أو العدول عن اصطلاحاتهم إلى اصطلاحات غيرهم.
    وقد بيَّنتُ معنى الهمس والجهر مشروحًا، وكشفت عن خاصِّ سرِّه، ودلَلت على موضع غموضه، على حسب ما تلقيتُه، والله أعلم.
    أرجو أني لم أثقل عليك بهذه الأسطر، وأدعو لك بالتوفيق والنجاح، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − 2 =