من فوائد علم الأصوات

من فوائد علم الأصوات للمشتغلين بعلم التجويد

(1) الكشف عن آلية إنتاج الأصوات اللغوية على نحو محدد ، وهو ما لم يتمكن المؤلفون في علم التجويد من الحديث عنه على نحو مفصل ، لأن جانباً منه يتعلق بمعرفة أعضاء النطق ووظائفها ، وبعض تلك الأعضاء لم يكن منكشفاً لهم في ذلك الوقت .
ومعرفة دارس التجويد لتلك الآلية يجعله يحيط بالعناصر الصوتية المكونة للصوت ، ويفهم من خلالها سبب تمايز جرس الأصوات اللغوية واختلافها ، ويفسر له ما ينشأ لها في التركيب من أحكام ، ولعل هناك من يقول : لسنا بحاجة إلى معرفة تلك الآلية ، وإننا قد تعلمنا التجويد وأحكمناه ، وعَلَّمناه لتلامذتنا من غير أن نقف عليها ، أقول : هذا أمر حسن ، ولكن أحسن منه أن يقف الدارس عليها ، وقديماً قال الداني في مقدمة كتابه التحديد :” وقراء القرآن يتفاضلون في العلم بالتجويد والمعرفة بالتحقيق ، فمنهم من يعلم ذلك قياساً وتمييزاً ، وهو الحاذق النبيه ، ومنهم من يعلمه سماعاً وتقليداً وهو الغبي الفهيه ، والعلمُ فطنةً ودرايةً آكدُ منه سماعاً ورواية ، فللدراية ضبطها ونظمها ، وللرواية نقلها وتعلمها ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم”.
(2) الكشف عما خفي عن عين الناظر من أعضاء النطق ، خاصة الحنجرة والغضاريف المكونة لها ، وتجويف الحلق ، وبيان دورهما في إنتاج الأصوات اللغوية ، وتقديم صورة أكثر دقة لآلة النطق .
(3) إعطاء تحديد أكثر دقة لمخارج عدد من الأصوات ، من خلال الوسائل الحديثة التي يستعملها المشتغلون بعلم الأصوات ، مثل الأحناك الصناعية ، أو التصوير بالأشعة السينية وغيرها ، أو ناظور الحنجرة ، ولا يُبْطِلُ هذه الميزة ما عُرِضَ من نماذج لاضطراب بعض المحدثين في تحديد مخارج عدد من الأصوات ، فهذا الاضطراب لا يدل على أن هذا العلم لا فائدة منه البتة ، بقدر ما يدل على قصور هؤلاء الباحثين في استعمال وسائل هذا العلم على نحو دقيق.
وإذا قال البعض : نحن نكتفي بتحديد سيبويه للمخارج أو بتحديد الخليل ، ولسنا بحاجة إلى الدخول في اختلافات المحدثين في تحديد المخارج ، وإذا سلمنا بهذا القول في تحديد مخارج الصوامت فإن حاجة الدارس للتجويد ستظل قائمة لِمَا يقدمه علم الأصوات اللغوية في تحديد مخارج الأصوات المصوتة( الحركات وحروف المد) ، من خلال ما يسميه الدارسون بمنظومة الحركات المعيارية ، فيتحدد من خلالها مخرج كل صوت وصفاته ، سواء في ذلك الحركات الأصلية مثل الفتحة والضمة والكسرة وحروف المد ، أو الحركات الفرعية ، مثل صوت الإمالة وصوت الإشمام ، وليس هناك ما يمنع في تقديري من أن يقتبس الدارسون للتجويد هذا الجانب من علماء الأصوات ، إذا كان مفيداً ونافعاً .
(4) إعطاء تعريف أكثر دقة ووضوحاً لعدد من صفات الحروف ، خاصة الجهر والهمس ، والشدة والرخاوة ، فصياغة تعريف هذه الصفات في كتب التجويد لا تخلو من غموض وتعقيد ، وعلم الأصوات اللغوية قادر على تخليص الدارسين من الحيرة في فهم الصوت والنَّفَس الذي يقترن بتلك التعريفات ، فقد آل الأمر في الكتب المتأخرة والمعاصرة إلى تعريف هذه المصطلحات على هذا النحو :
الجهر : انحباس جري النفس عند النطق.
والهمس جريان النفس عند النطق بالحرف.
والشدة : انحباس جري الصوت عند النطق بالحرف .
والرخاوة : جريان الصوت مع الحرف.
وسمعتُ من يقرأ القرآن ويقف على بعض الأصوات المهموسة الشديدة مثل الكاف والتاء بتسريب النَّفَس على نحو أكثر مما يتطلبه النطق بهذه الحروف ، وحين سألته عن ذلك قال : إنه يفعل ذلك لإعطاء هذه الحروف حقها من الهمس ، لأن الهمس هو جريان النَّفَس عند النطق بالحرف . وإذا كانت هذه حالة فردية فإن تلك التعريفات تظل مثل الأحاجي على الدارسين ، والخلاص منها يكمن في الأخذ بتعريف علم الأصوات اللغوية لهذه الصفات ، ولا يترتب على ذلك ما يخل بالقراءة ، حسب تقديري .
(5) ومن فوائد علم الأصوات اللغوية أيضاً قياس زمن كل صوت على نحو دقيق ، وهو ما كانت وسائل علماء التجويد قاصرة عنه ، وهم قد حاولوا تقدير زمن الحركة والغنة برفع الإصبع وخفضه وهو ما يمكن أن يختلف من شخص لآخر ، وإن كان التلقي الشفهي يضبط تلك الطريقة من القياس ، لكن أجهزة قياس الصوت الحديثة تعطي طول الصوت بأجزاء الثانية ، وهو أمر مفيد في وصف كثير من ظواهر النطق .
(6) من موضوعات علم الأصوات اللغوية الحديثة : المقطع ، والنبر ، والتنغيم ، وهذه الموضوعات على الرغم من أنها لا تزال في طور التقعيد في الدراسات الصوتية العربية ، لكنها ستكون مفيدة لمتعلم التجويد ، فقارئ القرآن يحقق في قراءته تلك الظواهر ، وإن لم تكن جزءاً من القواعد المدونة في كتب العلم.
(7) في الوقوف على الجانب الفيزياوي للصوت ، والجوانب المتعلقة بالسمع ، ما يوسع أفق الدارس ، ويجعله يفهم كيفية انتقال الصوت من المتكلم إلى أذن السامع ، وانتقال الإشارة إلى الدماغ ، ويقفه على آيات الله سبحانه في الخلق ، وإذا كانت هذه الجوانب ليست ذات فائدة أو ليست ضرورية للمتعلم في نظر البعض ، فإنها لا تخلو من فائدة في نظر الآخرين ، وإن كانت ليست بأهمية النقاط التي أشرت إليها في ما تقدم.

تعليقان على “من فوائد علم الأصوات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five + 10 =