مِنَ اللغات القديمة المهجورة: أَلِفُ التَّفْخِيم

مِنَ اللغات القديمة المهجورة: أَلِفُ التَّفْخِيم

عمار الخطيب

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، ثم أما بعد:

فإنَّ تفخيمَ الأَلِفِ ظاهرةٌ لغوية ناقشها عَدَدٌ من علماء العربية والقراءات ، وَنَسَبَهَا بعضُهم لأهل الحجاز ، ونُسِبَتْ لأهل اليمن كذلك ، وهي ظاهرةٌ تستحق البحث والدِّراسة ، وقد حاولتُ في هذه المقالة المختصرة الوقوف على بعض المسائل المهمة المتعلقة بهذه الظاهرة اللغوية القديمة ، وبالله التوفيق.

طائفةٌ مِنْ أقوال علماء اللغة والقراءات في لغة التفخيم:

لَعَلَّ الخليل بن أحمد مِنْ أقدم مَنْ أشار إلى لغة مَنْ يُفَخِّمُ الأَلِفَ ، فقد جاء في (العين 3/ 317) :

” والحيوة: كُتبت بالواو لِيُعلم أَنَّ الواو بعد اليائ ، ويُقال: بل كُتبت على لغة من يُفَخِّمُ الألف التي مرجعها إلى الواو ، نحو الصلوة والزكوة “.

وذكر سيبويه هذه اللغة مع الحروف الـْمُسْتَحسَنَة ، وَنَسَبَها لأهل الحجاز في قوله (الكتاب 4/ 432) :

” وألف التفخيم ، يعني بلغة أهل الحجاز ، في قولهم: الصلاة والزكاة والحياة “.

وقال الفراء (لغات القرآن ص45-46) : ” (الصلاة) ، و(الزكاة) ، و(الحياة) ، و (النجاة) ، وكل ما كُتِب بالواو ، لم نسمع فيها من العرب إلا ما تَعْرِف، ويُقال: إنها كانت لغةً لفصحاء أهل اليمن ، يشيرون إلى الرفع: الصلوة ، والزكوة ، ونرى أنهم إنما كتبوها بالواو لهذه اللغة “.

وقال المبرد (المقتضب 1/ 330) : ” وأما الحروف الستة التي كملت هذه خمسة وثلاثين حرفا بعد ذكرنا: الهمزة بين بين ، فالألف الممالة ، وألف التفخم… “.

وقال مكي بن أبي طالب (الهداية إلى بلوغ النهاية 1/ 133) : ” وكُتِبت الصلاة في المصاحف بالواو لتدل على أصلها…وقيل: إنما كُتبت بالواو لأن بعض العرب يُفَخِّمُ اللام والألف ، حتى تظهر الألف كأن لفظها يشوبه شيء من الواو “.

وقال الداني (المحكم ص360) : ” ورُسِمَ في كل المصاحف (الصلوة) و(الزكوة) و(الحيوة) و(بالغداوة) و(كمشكوة) و(النجوة) و(ومنوة) بالواو على الأصل ، أو على لغة أهل الحجاز الذي يُفْرِطُون في تفخيم الأَلِفِ وما قبلها في ذلك “.

وقال أبو العلاء الهمذاني العطار (التمهيد ص245) : ” وأما الألف المفخمة فهي التي تكون بين الألف والواو نحو: (سلام) و(قال) و(كال) وما أشبهها ، ولذلك كتبوا الصلوة والزكوة والحيوة بالواو ، لأن الألف مالت نحو الواو “.

ووصفها ابن جني في قوله (سر صناعة الإعراب 1/ 50) : ” وأما ألف التفخيم فهي التي تجدها بين الألف وبين الواو ، نحو قولهم: سلُام عليك ، وقُام زيد ، وعلى هذا كتبوا: الصلوة والزكوة والحيوة بالواو ، لأن الألف مالت نحو الواو “.

هل سَمِعَ سيبويه لغة التفخيم؟

ذَكَرَ سيبويه لغة التفخيم مع أصواتٍ أخرى معروفة وهي النُّون الخفيفة ، والهمزة الـمُسَهَّلة ، والألف الممالة ، والشين التي كالجيم ، والصاد التي كالزاي.

وَوَصَفَ سيبويه هذه الأصوات بقوله “وهي كثيرة يؤخَذ بها وتُستحسن في قراءة القرآن والأشعار ” ، وقال إن هذه الأصوات ” لا تتبين إلا بالمشافهة “.

وكلام سيبويه في لغة التفخيم يحتمل مَعْنَيَيْن:

1- أنه سَمِعَ هذه اللغة يُؤخَذُ بها في قراءة القرآن ، فعَدَّها من الأصوات الـمُسْتَحْسنة.

2- أنه لم يَسْمَعْها ، وإنما هي لغة قديمة مهجورة بَلَغَهُ أنها كانت لغةً لأهل الحجاز.

ومما قد يُعترض به على الرأي الأول أنها لو كانت مشهورةً مُستعملةً حتى عصر سيبويه لَنَقَلَها العلماء وظهرت الدلائل عليها في كُتُب علماء اللغة أو في قراءات القراء.

ومما قد يُعترَض به على الرأي الثاني أنَّ سيبويه اسْتَحسَنَ ألف التفخيم في القراءة ، وطريق ذلك الرواية والسَّماع ، والجواب أنه إذا كان القرآن قد قُرِئَ بلهجات العرب في زمن التنزيل ، فَلَعَلَّهُ اسْتَحْسَنَها لـِمَا تَقَرَّرَ عنده أنها كانت لغةً لأهل الحجاز ، وأنها كُتِبَتْ في المصاحف واوا على لغة التفخيم.

ولا يخلو قولٌ من اعتراض ، والاحتمال الأول قد يكون أشدهما إشكالا!

هل وَرَدَتْ هذه اللغة في قراءات القُرَّاء؟

لا أثر لهذه اللغة في قراءات القراء سوى ما رُوِيَ في بعض المصادر مِنْ قراءاتٍ شاذة تدل على أنها كان مما يُؤخذ به في تلاوة القرآن.

قال النحاس (إعراب القرآن ص557) : ” وحكى خارجةُ أنَّ الحسن كان يضم (كاف) ، وحكى غيره أنه كان يضم (ها) ، وحكى إسماعيل بن إسحاق أن الحسن كان يضم (يا)… فأما قراءة الحسن فقد أشكلت على جماعة حتى قالوا: لا تجوز، منهم أبو حاتم ، والقول فيها ما بَيَّنَهُ هارون القارئ ، قال: كان الحسن يُشِمُّ الرفع فمعنى هذا أنه كان يومئ ، كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول: الصلوة والزكوة يومئ إلى الواو ، ولهذا كتبت في المصاحف بالواو ” (وينظر: ابن خالويه : مختصر في شواذ القراءات ص86 ، والأهوازي: مفردة الحسن البصري ص247).

” وقال أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح في شواذ القراءات: خارجة عن الحسن:  (كاف) بضم الكاف ، ونصر بن عاصم عنه بضم الهاء ، وهارون بن موسى العتكي عن إسماعيل عنه بالضم ، وهذه الثلاث مُتَرْجَمٌ عليها بالضم ولسن مضمومات الـمَحَالِّ في الحقيقة ، لأنهن لو كن كذلك لوجب قلب ما بعدهن من الألفات واوات بل نحيت هذه الألفات نحو الواو على لغة أهل الحجاز ، وهي التي تسمى ألف التفخيم بضد الألف الممالة ” (البحر المحيط 6/ 163).

وقال ابن خالويه (مختصر في شواذ القراءات ص25) : ” (مِنَ الرِّبُو) أبو السَّمَّال ” (وينظر: الهذلي: الكامل ص 511).

وقال ابن جني (المحتسب 1/ 142) : ” ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبي زيد عن أبي السَّمَّال: أنه كان يقرأ (ما بقِي مِن الرِّبُو) مضمومة الباء ساكنة الواو… والذي ينبغي أن يُتعلَّل به في الرِّبُو بالواو هو أنه فَخَّم الألف انتحاء بها إلى الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم:  الصلاة والزكاة ، وكمشكاة “.

وقال ابن الأثير (النهاية في غريب الحديث والأثر 1/ 55) :

” في حديث ابن عباس (لا بأس بقتل الأَفْعَوْ)  أراد الأفعى ، فَقَلَب ألفها في الوقف واوا ، وهي لغة أهل الحجاز “.

قال الدكتور غالب المطلبي (في الأصوات اللغوية دراسة في أصوات العربية ص210) :

” إن أهل الحجاز كانوا يقلبون الألف المتطرفة واوا في الوقف ، فيقولون في أفعى أفعو ، ولعل لهذه صلة بميلهم إلى التفخيم ، فكأنهم فَخَّموا أول الأمر ثم تطور هذا التفخيم إلى واو محضة “.

ولعله يجوز لنا حمل حديث ابن عباس على لغة التفخيم كذلك ، فنقول مقلدين ابن جني: والذي ينبغي أن يُتعلَّل به في الأَفْعُو بالواو هو أنه فَخَّم الألف انتحاء بها إلى الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم:  الصلاة والزكاة.

هل يصح القول بأنَّ الألف التي قرأ بها ورش في (الصلاة) و(الطلاق) وشبهه هي مِنْ بقايا هذه اللغة المندثرة؟

قال مكي بن أبي طالب (الرعاية ص109) :

” الألف المفخمة: وهي أَلِفٌ يُخالِطُ لفظَها تفخيمٌ ، يُقَرِّبُها مِنْ لفظ الواو…وبذلك قرأ ورشٌ عن نافع في (الصلاة) و(مُصَلَّى) و(الطَّلاق) و(بِظَلاَّم) وشبهه ، وذلك فاشٍ في لغة أهل الحجاز ، وإنما دعاهم إلى ذلك إرادة نفي جواز الإمالة فيها.

وقال بعض النحويين: ولذلك كُتِبَتْ (الصلوة) بالواو على لغة الذين فَخَّموا الألف “.

وكان أستاذنا البَحَّاثة الدكتور غانم الحمد قد رَجَّحَ أنَّ الألف التي ذَكَرها سيبويه في الحروف الفرعية المستحسنة هي ذاتها الألف التي قرأ بها ورش بعد اللام المغلظة ، واستدَلَّ لرأيه بقول مكي في الرعاية ، وقال إنَّ كلام الداني يشير إلى ألف شديدة الميل نحو الواو (الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص319).

وقول مكي قد يكون غير دقيق حينما وَصَفَ الأَلِفَ التي قرأ بها ورش في الأمثلة السابقة بأنها قُرئتْ على لغة التفخيم ، لأنَّ الألف هنا فُخَّمِتْ لأجل تغليظ اللام ، أي أنها وَقَعَتْ بعد حرفٍ مُفَخَّمٍ ، مثل الألف في (قال) أو (طال) أو (الله) وشبهه ، وهذه الألف عند ورش أو غيره من القراء لا تُنْطَقُ جانحةً نحو الواو ، ولا تستدير الشَّفَتان عند نطقها.

والذي يظهر أنَّ الداني ، وهو معاصرٌ لمكي ، يخالف مكيا في ما قال ، لأنَّ الداني قال إنها لغةٌ ” صَحَّتْ عن العرب وفشت عن الفصحاء واستعملت في الكتابة ” وأنه ” لا إمام لتلك اللغة من أىٔمة القراءة “.

قال الداني (التحديد ص100) :

” وأما المفتوح فحقه أن يؤتى به بين منزلتين ، بين التفخيم الشديد الذي يستعمله أهل الحجاز في نحو: الصلاة والزكاة فينحون بالألف نحو الواو ، من شدة التفخيم ، وهذه اللغة لا تستعمل في القرآن لأنه لا إمام لها “.

وقال (الفتح والإمالة ص20) : “ونرى أنها كُتبت بالواو لهذه اللغة فقد قرب هؤلاء الألف من الواو التي هي أصلها بأن شموها الضم وكتبوها بالواو من أجل ذلك… وإن كان لا إمام لتلك اللغة من أىٔمة القراءة ، فقد صَحَّتْ عن العرب وفشت عن الفصحاء واستعملت في الكتابة “.

ثم إذا كان الداني ، في رأي أستاذنا الدكتور غانم ، يتحدَّث عن صوتٍ مختلف عن ألف التفخيم عند سيبويه ، ووصَفَه بأنه لغة فشت عن الفصحاء واسْتُعْمِلتْ في الكتابة ، وإذا كان هذا الصَّوْت قطعا ليس ألف ورشٍ عندا الداني ، وليس ألف التفخيم عند سيبويه ، فما هو هذا الصوت إذن؟

والذي يظهر لي ، بحسب فهمي الضعيف ، أنَّ ألف التفخيم عند الداني هي نفسها التي وصفها سيبويه، وأما قول الداني: ” فقد صَحَّتْ عن العرب وفشت عن الفصحاء واستعملت في الكتابة ” فهو في هذا ناقِلٌ عَنْ غيره من العلماء السابقين ، ولا يُفهم من كلامه أنها كانت لغة مشهورةً في عصره!

وأما قوله: ” لأنه لا إمام لها ” ، فهو لا ينفي صحتها وفصاحتها ، ولا ينفي احتمال أنَّ بعض الصحابة كان قد قرأ بها في زمن التنزيل في ظل رخصة الأحرف السبعة ، والمفهوم من كلامه أنها لغةٌ لم تصح عنده روايةً.

وقد تكون ألفُ التفخيم التي تَحَدَّثَ عنها سيبويه وغيره قريبةً مِن نُطْق العامَّة لكلمة لَوْح = لُوح ، و صَوْم = صُوم ، ويكون صوتُ  الواو فيها قريبا من صوت ال o في كلمة  noأو bow في الإنجليزية.

وَوَصَفها الدكتور تمام حسان بأنها (اللغة العربية مبناها ومعناها ص53) : ” أَلِفٌ تستدير في نطقها الشفتان قليلا مع اتساع الفم نتيجة لحركة الفك الأسفل، ويرتفع مؤخر اللسان قليلا ، فيصير الفم في مجموعه حجرة رنين صالحة لإنتاج القيمة الصوتية التي نسميها التفخيم على لغة أهل الحجاز ، وهو أوغل في بابه من تفخيم القبائل الأخرى “.

وَرَجَّحَ الدكتور أحمد علم الدين الجندي أنَّ ” الكتابة مرآة لكاتبيه ” و ” أَنَّ هذا النُّطْقَ كان موجودا أيام النبي صلى الله عليه وسلم ” (اللهجات العربية في التراث 1/ 283-284).

وذهب الدكتور عبد العزيز الصيغ إلى أَنَّ لتفخيم الألف صفتين (المصطلح الصوتي في الدراسات العربية ص149-150) : ” صفة أساسية ثابتة وبها تكون الألف صوتا مُفَخَّما ، وهي الألف اللهجية التي ذكرها سيبويه لغة لأهل الحجاز.

وصفة ثانية وهي غير ثابتة ، وإنما مُكْتَسَبَة وهي تشبه التفخيم في صوتي الراء واللام ، وهذه الصفة تكون لصوت الألف حين تتبع ما تقدمها من الأصوات المطبقة أو المستعلية “.

وَذَهَبَت الدكتورة صالحة آل غنيم إلى ” أنَّ هذا التفخيم مظهر من مظاهر التأني في النطق عند القبائل الحضرية ” وأنَّ هذه الكلمات كُتِبت ” في المصحف بالواو ، والذين كتبوه جلهم من قريش ، فلشدة تفخيهم للألف كتبوها واوًا ” (اللهجات في الكتاب لسيبويه أصواتا وبنية ص68).

وَرَجَّح الدكتور كمال بشر (دراسات في علم اللغة ص93) ” أنَّ هذا النطق اللهجي ، غير المرتبط بالموقع والسياق – متأثرٌ بنطق أجنبي عن العربية في مستواها الفصيح ، وبدليل أمثلته الأخرى…وهي (الصلاة والزكاة) ، وهي كلمات سوريانية الأصل على ما نَعْلَم “.

ولغة التفخيم هذه لا نزال نسمعها اليوم في بعض اللهجات العربية مثل لهجة أهل الإحساء في السعودية ، وفي لهجات بعض المناطق في فسلطين ، ينطقون باب = بُوب…(ينظر: د. ياسر الملاح: المستحسن وغير المستحسن في فروع أصوات العربية ص75).

والخلاصة أنها لغة قديمة مهجورة ذكرها العلماء الأوائل ، وأحسب أنها كانت من اللهجات التي كان يُقرأ بها القرآن.

والله أعلم بالصواب!

عمار الخطيب

القسم: حديث الشهر | التاريخ: 26 يونيو, 2019 | 1115 | 418 مشاهدة | لايوجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 1 =