من طرائف التصحيف والتحريف (والقُرَّاءُ جَعَلُوا)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ اللهِ ، وسلامٌ على عبادِه الذين ﭐصْطَفَى ، أَمَّا بَعْدُ

فإني كنت قد حَقَّقْتُ (سنة 2014م) القسم الخاص بالأصول ، وسورة الفاتحة وأول سورة البقرة ، من كتاب (نثر المرجان في رسم نظم القرآن) لمحمد غوث الآركاتي الهندي ، المتوفى سنة 1238هـ ، رحمه الله تعالى ، واعتمدتُ في تحقيقه على النسخة المطبوعة في حيدر آباد سنة 1332هـ ، وهي طبعة حجرية أشبه بالمخطوط ، وكانت تبدو متقنة الخط ، جيدة الضبط ، يقل فيها التصحيف والتحريف.
ورغبتُ في إعادة النظر في ذلك التحقيق ، بعد الحصول على مخطوطتين جديدتين للكتاب ، وبعد الاطلاع على مصادر جديدة تتعلق بترجمة المؤلف وأسرته ، وقد أسهم ذلك في تصحيح مواضع من النص المحقق ، وكتابة ترجمة جديدة أوفى من الترجمة السابقة للمؤلف ، والحمد لله.
وحين وصلتُ إلى هذه العبارة من الحديث عن حذف الألف من (يا) التي للنداء : (ولم يقع في القرآن من حروف النداء غيرها ، كما نص عليه ابن هشام ، ذكره السيوطي ، إلا أنَّ القراء جعلوا الهمزة للنداء في قوله تعالى : (أَمَنْ هو قانِتٌ آناءَ الليلِ) في الزمر [9] ، على قراءة التخفيف) – لم أشعر بما فيها من خلل ، ولم أقف في وقتها على النص في كتب ابن هشام والسيوطي ، واكتفيت بتخريج قراءات القراء فيها ، وهو : (قرأ نافع وابن كثير وحمزة (أَمَنْ) بالتخفيف ، والباقون (أَمَّنْ) بالتشديد).
وكان النص في الأصل الذي اعتمدت عليه في التحقيق واضحاً لا يحمل على الشك في سلامته ، وهذه صورة ذلك (22/1) :

وتبين لي بعد الموازنة بين مخطوطات كتاب نثر المرجان أنه ثَمَّةَ خَلَلٌ في النص ، فقد جاء النص في المخطوطتين اللتين اعتمدت عليهما في مراجعة التحقيق ، إلى جانب النسخة المطبوعة ، هكذا (والقراء جعل) ، وهذه صورة ذلك في المخطوطتين:

واستوقفني تركيب الجملة في هذه المخطوطات (والقراء جعل) ، وهي في المطبوع (والقراء جعلوا) ، ولم أتمكن من الاطلاع على النص في مسودة الكتاب للمؤلف في مكتبة عشيرة شرف الملك ، ويبدو أن الذي تولى تهيئة الكتاب للطبعة الأولى أراد أن يعالج القصور في جملة (والقراء جعل) ، فزاد عليها ضمير الجمع لتصير: (والقراء جعلوا) ليستقيم تركيبها النحوي ، ولكن القراءة الصحيحة للنص (والفراء جعل) ، وبدأت في البحث عن النص عند ابن هشام ، وعن الموضوع في كتاب معاني القرآن للفراء ، وتبين لي صحة ما توقعت.
قال ابن هشام في مغني اللبيب (18/1) وهو يتحدث عن دلالة الهمزة على الاستفهام ، وعلى النداء :” وقد أُجِيزَ الوجهانِ في قراءة الحَرَمِيَّيْنِ: (أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْل) ، وكَونُ الهمزة فيه للنداء هو قول الفراء ، ويُبْعِدُهُ أَنه ليس فِي التَّنْزِيل نِدَاءٌ بِغَيْرِ يَا ، ويُقَرِّبُهُ سَلَامَتُهُ من دَعْوَى المجاز إِذْ لا يكون الاستفهامُ مِنْهُ تَعَالَى على حَقِيقَتِه”.
وكان الفراء قد قال في كتابه معاني القرآن (2/ 416-417) :” وقوله: (أَمن هو قانتٌ آناءَ الليلِ) ، قرأها يحيى بن وثاب بالتخفيف ، وذُكِرَ ذلك عن نافع وحمزة وفسروها يريد: يا من هو قانت ، وهو وجه حسن، العرب تدعو بألف، كما يدعون بـ(يا) ، فيقولون: يا زيدُ أَقْبِلْ، وأَزَيْدُ أَقْبِلْ … وقد تكون الألف استفهاماً بتأويل أم ، لأن العرب قد تضع (أم) في موضع الألف إذا سبقها كلام، قد وصفتُ من ذلك ما يكتفى به”.
وقد تبين لي بما لا يقبل الشك حصول تصحيف في كلمة (الفَرَّاء) لتصبح (القُرَّاء) ، ويقع هذا كثيراً على أيدي النُّسَّاخِ ، وحصل تحريف بتغيير (جَعَلَ) إلى (جَعَلُوا) فاستحكم ذلك في النص ، وقد مر ذلك عليَّ في الطبعة الأول للكتاب لاستقامة العبارة ظاهراً ، وعدم انتباهي للخلل المعنوي فيها ، فليس جميع القراء في الآية يجعلون الهمزة للاستفهام ، ثم عدم عثوري على النص في (مغني اللبيب) لابن هشام في موضع الحديث عن حرف النداء (يا) ، وتبين أنه في موضوع الحديث عن الهمزة.
والعبرة التي يستفيدها المحقق من مثل هذا التصحيف هي الحذر من الاطمئنان إلى النص عند الاعتماد على نسخة خطية واحدة ، ويلزم حينئذ عرضه على المصادر الأخرى التي تتناول الموضوع ذاته ، والحرص على الرجوع إلى المصادر التي ينقل منها المؤلف ، فقد يكشف ذلك ما قد يكون في النص من تصحيف أو نقص.
والله تعالى ولي التوفيق

أربيل- العراق
30/1/2020م

القسم: حديث الشهر | التاريخ: 4 فبراير, 2020 | 1161 | | لايوجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *