الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحابته أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد: فإن الله تعالى قد كَتَبَ الخلود لكتابه (القرآن الكريم) ، فحفظته الصدور ، وجمعته السطور ، وتجاوز في رحلته الآباد والدهور ، حجة باقية ، ومنارة هادية للبشرية إلى يوم الدين ، والحديث عن تاريخ المصحف الشريف ورحلته عبر التاريخ أوسع من أن يَحْوِيَهُ بحث ، أو يَسْتَوْعِبَهُ كتاب ، ومكتبة علوم القرآن الكريم شاهدة على ذلك ، فهي تضم آلاف المصاحف المخطوطة ، ومئات الكتب المؤلفة ، وآلاف المجلدات ، التي وَصَفَتْ رسم الكلمات في المصحف ، وبَيَّنَتْ كيفية قراءته ، ووَضَّحَتْ معاني آياته. وقد فَتَحَتِ الطباعة آفاقاً جديدة في خدمة القرآن الكريم وعلومه ، فكان القرآن الكريم من أوائل الكتب التي طُبِعَتْ في أوربا ، ثم في بلدان العالم الإسلامي ، وليست هناك معلومات وافية عن الطبعات الأولى للمصحف الشريف ، وكانت أنظار الدارسين لتاريخ طباعة المصحف الشريف تتجه إلى إستانبول والقاهرة والجزائر وبيروت ، وغيرها من حواضر بلاد المسلمين ، وغَفَلَ الدارسون عن تاريخ طباعة المصحف في مدينة قَزَان ، عاصمة جمهورية تتارستان الإسلامية ، في روسيا الاتحادية. وكنت قد وقفتُ سنة 1975م على نسخة من مصحف قزان ، في مكتبة جامعة القاهرة ، مطبوعة سنة (1295هـ = 1878م) ، وقت دراستي للماجستير ، وقَدَّمْتُ وصفاً موجزاً لها في كتابي (رسم المصحف : دراسة لغوية تاريخية) في صحيفة واحدة ، وكنت أتصور أنها الطبعة الوحيدة للمصحف هناك! وتجدَّدت صلتي بمصحف مدينة قزان بعد الدعوة التي تلقيتها من سماحة المفتي فريد سلمان ، مدير عام مركز دراسات القرآن الكريم والسنة المطهرة في جمهورية تتارستان ، للمشاركة في المؤتمر الدولي (مصحف قزان: القيمة التاريخية والمستقبل) ، الذي انعقد في 31 آذار– 3 نيسان 2018م، في مدينة قزان، عاصمة الجمهورية. وتَبَيَّنَتْ لي ، بعد الاطلاع على بعض البحوث التاريخية المتعلقة بالموضوع ، والنظر في عدد من المصاحف المطبوعة في مدينة قزان ، جملةٌ من الحقائق التي لم تكن معروفة لديَّ من قبل ، منها : أولاً : ريادة مدينة قزان في طباعة المصحف في العالم الإسلامي ، فمن المؤكد أن المصحف قد طُبِعَ هناك منذ مطلع القرن التاسع عشر ، وبين أيدينا نسخة مطبوعة سنة 1803م ، وكانت أول طبعة صدرت هناك سنة 1801م. ثانياً : ظهر لي أن مصحف مدينة قزان قد كُتِبَ بالرسم العثماني ، وهو أمر كان نادراً في طباعة المصاحف المبكرة ، ولعله بذلك يكون أول مصحف مطبوع ينال هذا الشرف. ثالثاً : تعددت طبعات المصحف في مدينة قزان منذ صدور الطبعة الأولى ، فقد قاربت المئة وستين طبعة كاملة ! ومئات الطبعات لأجزاء متفرقة من القرآن الكريم ، وحَدَثَتْ مراجعة لعدد من المسائل في المصحف ، من رسم ، وضبط ، وعَدٍّ وتجزئة ، ووقوف. وكنت قد اخترتُ الحديث عن (مصحف قزان : تاريخ طباعته ، وطريقة رسمه) ليكون مدار بحثي في المؤتمر المذكور ، ولكني وجدت بعد ذلك أن موضوع طباعة المصحف في مدينة قزان له أهمية خاصة من عدة جوانب ، ومن ثم عدت إلى الموضوع ، وخصصته بهذا الكتاب ، لاستكمال الحديث عن الجوانب التاريخية والعلمية والفنية المتعلقة بالمصاحف المطبوعة في مدينة قزان. وحاولت استيفاء الحديث عن الجوانب المتعلقة بمصاحف قزان في خمسة فصول ، يتقدمها تمهيد ، وتتلوها خاتمة ، تحدثت في التمهيد عن تاريخ مدينة قزان ، وارتباطها المبكر بالإسلام ، ولخصت في الخاتمة أهم معالم هذا الكتاب ومباحثه ، والتأكيد على أهمية دراسة تجربة طباعة المصاحف في مدينة قزان ، وأخذ الفوائد منها ، أما الفصول الخمسة فهذه عناوينها : الفصل الأول : تاريخ طباعة المصحف في مدينة قزان. الفصل الثاني : الرسم في مصاحف مدينة قزان. الفصل الثالث : الضبط في مصاحف مدينة قزان. الفصل الرابع : العد والتجزئة في مصاحف مدينة قزان. الفصل الخامس : علامات الوقف في مصاحف مدينة قزان. ومن الصعوبات التي واجهتني وأنا أكتب هذا الكتاب قلة المصادر التاريخية المدونة باللغة العربية عن تاريخ تلك البلاد[1]، وصعوبة الحصول أو الاطلاع على جميع المصاحف المطبوعة في مدينة قزان[2] ، وقد تيسر لي الوقوف على عدد منها يسمح بالحديث عن الجوانب المتعلقة بمصاحف قزان التي تضمنتها فصول الكتاب ، وهذه محاولة أُولى في كتابة تاريخ طباعة المصحف في مدينة قزان ، آمل أن تتبعها محاولات أخرى تستكمل جوانب النقص التي قد تظهر في فصول هذا الكتاب. وقد تبين لي بعد إنجاز كتابة فصول الكتاب ما يأتي : أن مدينة قزان هي أول بلد إسلامي يقوم بطاعة المصحف الشريف ، ومن باب الاحتياط أقول : إنها من أوائل البلاد الإسلامية التي قامت بذلك. أن عدد طبعات المصحف في مدينة قزان كبير جداً ، يفوق ما يمكن أن يخطر بالبال ، فقد أحصيت في كتاب (دليل المطبوعات العربية في روسيا) لأنس خلدوف 158 طبعة لمصاحف كاملة ، ومئات الطبعات لأجزاء متفرقة من القرآن الكريم ، قبل سنة 1917م ، ثم صدرت طبعات جديدة بعد سنة 1990م. التزام المصحف القزاني بالرسم العثماني من أول طبعة له ، وفي الطبعات اللاحقة إلى زماننا هذا ، على الرغم من استعمال الحرف المطبعي فيه ، وهذه ميزة مهمة ، لأنَّ أقدم مصحف طُبِعَ بالرسم العثماني في بلدان المشرق العربي ، جاء متأخراً بقرن من الزمان عن المصحف القزاني. كان هناك حرص ظاهر من القائمين على طباعة المصحف القزاني على المحافظة على شكله الخارجي ونوع الخط المستعمل في طباعته ، مع الحرص على تدقيق رسمه وضبطه ، لتفادي ما قد يكون فيه من أخطاء طباعية ، أو اختيارات مرجوحة ، وقد تجلى ذلك من خلال الموازنة بين المصحف المطبوع سنة 1803م ، والمصحف المطبوع سنة 2012م ، ونحا المصحف المطبوع سنة 2016م نحو المواءمة بين خصائص المصاحف القزانية ، وخصائص المصاحف المشرقية الحديثة. لعل في إعادة رسم حروف كلمات المصحف بقلم خطاط ماهر بالخط الريحاني الذي طُبِعَتْ به المصاحف القزانية ما يزيد من جماله ، وحسن استقباله في شتى بلدان المسلمين. هناك حاجة لدراسة تجربة طباعة المصحف القزاني لأمرين : الأول : الإفادة من هذه التجربة الرائدة في طباعة المصحف الشريف في الأعمال المماثلة في بلدان العالم الإسلامي. والثاني : وضع قاعدة علمية لهذه التجربة الرائدة ، وتأصيل جميع مكونات المصحف القازاني ، من رسم ، وضبط ، وعد الآيات ، وعلامات الوقوف ، وتدوين ذلك في تقرير علمي مفصل ، ليكون بين أيدي الدارسين والذين يقرؤون في المصحف. إن تعدد طبعات مصحف قزان حتى بلغت المئات ، وكثرة المطابع في تلك البلدة ، يدل على أمور عدة ، منها : - توفر الخبرة الفنية لتشغيل تلك المطابع، بالدقة التي يتطلبها طبع المصحف. - توفر الخبرة العلمية التي أشرفت على إخراج تلك المصاحف بالدقة المطلوبة ، من ناحية الرسم والضبط ، ووضع علامات الوقوف ، ورؤوس الآيات. - تسابق أهل الخير في تلك البلاد إلى الإنفاق على طباعة تلك المصاحف. - وجود سوق لتصريف أعداد تلك المصاحف التي كانت تخرجها مطابع قزان ، ولا نعلم حدود تلك السوق ، لكنها بالتأكيد شملت البلدان الإسلامية في روسيا وما قرب منها من الدول الإسلامية. إن الحديث عن (قصة المصحف في مدينة قزان) بطبعاته المتعددة لا يوفيه كتيب صغير ، ولكنْ حسبي أني كتبته في التعريف بتاريخ هذا المصحف ، وطريقة رسم الكلمات فيه ، وعلامات الضبط ، والوقوف ، وغيرها ، بقدر ما تيسر لي من مصادر ومصاحف ، فلم أقف على بحث خاص به في بلداننا في المشرق العربي. جزى الله خيراً كل من أسهم في طباعة المصاحف في مدينة قزان والله تعالى ولي التوفيق ، والهادي إلى سواء السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ___________________________________ [1] من الكتب التاريخية التي أفدت منها في الحديث عن مدينة قزان وتاريخ طباعة المصحف فيها: كتاب تلفيق الأخبار وتلقيح الآثار في وقائع قزان وبلغار وملوك التتار ، تأليف محمد مراد الرمزي ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1423هـ = 2002م. دليل المطبوعات العربية في روسيا ، من (1787-1917م) ، تأليف الدكتور أنس خلدوف ، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث ، دبي ، ومعهد الدراسات الشرقية ، سان بطرسبورج 1429هـ = 2008م. المسلمون في روسيا : الموروث وتحديات المستقبل ، تأليف يوسف مرتضى ، بيروت ، دار الفارابي 2017م. [2] تيسر لي الاطلاع على عدد من المصاحف المطبوعة في مدينة قزان ، فمن المصاحف الكاملة التي اطلعت عليها : - مصحف شريف طبع قزان ، سنة 1803م ، أعادت طبعه بلدية قزان بمناسبة الذكرى الألفية على بناء المدينة ، تحت إشراف مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) ، حزيران (يونيه) 2005م. - مصحف شريف طبع قزان ، سنة 2012م ، تحت إشراف الإدارة الدينية لمسلمي جمهورية تتارستان. - مصحف شريف طبع قزان ، سنة 2016م ، إشراف لجنة برئاسة سماحة مفتي جمهورية تتارستان.
القسم:
حديث الشهر
التاريخ:
22 أكتوبر
2018
لايوجد تعليقات